لم تعد مياه خليج عدن وباب المندب تواجه تهديدًا واحدًا. فبينما تظل هجمات الحوثيين مصدر قلق للملاحة الدولية، عادت القرصنة الصومالية بقوة إلى المشهد، لتفتح جبهة بحرية جديدة على السواحل اليمنية وتضع حركة التجارة العالمية أمام خطر مزدوج.
وخلال أربعة أشهر فقط، تمكن قراصنة صوماليون من الاستيلاء على 6 سفن تجارية، بينها ثلاث وقعت في مناطق قريبة من السواحل اليمنية، في مؤشر خطير على انتقال نشاط القراصنة إلى نطاقات أبعد من معاقلهم التقليدية في بونتلاند.
وكان أحدث الهجمات اختطاف ناقلة النفط �إم تي سيبو 1�، التي ترفع علم إريتريا، على بعد نحو 136 ميلًا بحريًا شرق المكلا، بعدما صعد ستة مسلحين إلى متنها واقتادوا الناقلة التي تقل 20 فردًا من الطاقم باتجاه ساحل بونتلاند.
والأخطر أن الهجوم لم يكن حادثًا منفردًا؛ إذ سبقته بثلاثة أيام عملية الاستيلاء على سفينة الشحن �لوتوف� قبالة بونتلاند، فيما شهدت الفترة ذاتها اختطاف سفينتي �يوريكا� و�أسانا� في نطاق قريب من المياه اليمنية.
من سواحل الصومال إلى قبالة المكلا
هذا التمدد الجغرافي يطرح سؤالًا أكثر خطورة من مجرد عودة القرصنة: هل يتحول خليج عدن إلى مساحة مفتوحة أمام جماعات مسلحة متعددة تتنافس على السيطرة والابتزاز؟
فالمشهد البحري في المنطقة أصبح أكثر تعقيدًا؛ الحوثيون يهددون الملاحة من جهة، والقرصنة الصومالية تعود من جهة أخرى، بينما تتوزع الجهود الدولية بين البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن ومضيق هرمز.
وفي ظل هذا التشتت، تبدو السفن التجارية أمام بيئة أمنية أكثر هشاشة، خصوصًا مع قدرة القراصنة على استخدام قوارب صيد مختطفة كسفن أم، والابتعاد لمسافات كبيرة عن قواعدهم الساحلية.
اليمن أمام تهديد يتجاوز البر
الخطورة بالنسبة لليمن لا تتعلق فقط بوقوع هجمات قرب سواحله، وإنما بما يعنيه ذلك لأمن خليج عدن والمكلا وباب المندب، وهي ممرات ترتبط مباشرة بحركة التجارة العالمية.
وكلما اتسعت قدرة القراصنة على العمل في المياه المفتوحة، ارتفعت كلفة حماية السفن، وزادت المخاطر على أطقمها، وأصبح أي ضعف في الرقابة الساحلية فرصة لتوسيع نشاط الجماعات المسلحة.
ويحذر خبراء من أن استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية في الصومال، بالتزامن مع هشاشة الأمن البحري في المنطقة، قد يسمح بتحول الموجة الحالية من عمليات متفرقة إلى نشاط قرصنة أكثر تنظيمًا واستدامة.
الخطر الجديد.. تداخل ساحات التهديد
المشهد الأخطر أن خليج عدن لم يعد ساحة لتهديد واحد يمكن التعامل معه بأداة واحدة.
هناك حوثيون، وقرصنة صومالية، وشبكات تهريب، وتوترات إقليمية، وكل طرف يستفيد بدرجات مختلفة من الفراغ الأمني واتساع رقعة العمليات البحرية.
وإذا استمرت هذه البيئة دون معالجة جذرية، فقد يتحول خليج عدن إلى واحدة من أكثر النقاط البحرية اضطرابًا في العالم، ليس بسبب الحرب وحدها، بل بسبب تداخل الجريمة المنظمة مع الصراعات المسلحة وانهيار منظومات الرقابة الساحلية.
المعادلة تغيّرت
عودة القرصنة بعد سنوات من الانحسار تحمل رسالة واضحة: الدوريات البحرية وحدها لا تكفي.
فكما يقول خبراء الأمن البحري، القرصنة تبدأ على البر قبل أن تظهر في البحر؛ أي أن مواجهة القراصنة لا تنتهي عند اعتراض القوارب، وإنما تبدأ من تفكيك الشبكات التي تمولهم وتسلحهم وتوفر لهم الملاذات والمعلومات.
وبالنسبة لليمن، فإن تمدد عمليات الاختطاف إلى مناطق قريبة من المكلا يضع أمن السواحل أمام اختبار جديد وحساس.
فالخطر لم يعد فقط أن تُطلق جماعة مسلحة صاروخًا على سفينة، بل أن تصعد مجموعة مسلحة إلى ظهرها، تستولي عليها، وتقتاد طاقمها إلى ساحل آخر.
ست سفن في أربعة أشهر ليست مجرد أرقام؛ إنها إشارة إنذار بأن القرصنة عادت، وأن خليج عدن قد يكون بصدد دخول مرحلة بحرية أكثر خطورة مما شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية.