آخر تحديث :الأحد - 20 سبتمبر 2026 - 04:00 م

حين يصبح البقاء ثمنًا، والرحيل تهمة..!

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - الساعة 11:21 م

حسين القملي
الكاتب: حسين القملي - ارشيف الكاتب


في الأوطان التي أنهكتها الحروب، لا تكون المعاناة دائمًا في أصوات الرصاص أو مشاهد الدمار، بل في الأحلام المؤجلة، والفرص المسلوبة، والقلوب التي تُجبر على الرحيل بحثًا عن مستقبل أفضل، فهناك ممارسات لا تُعاقب عليها القوانين؛ كسرقة الطموح، وقتل الأمل، واستنزاف الإنسان نفسيًا حتى يصبح مجرد الاستمرار في الحياة إنجازًا بحد ذاته، وهي مآسٍ لا تُسجل في المحاكم، لكنها تترك في النفوس ندوبًا عميقة، ويبقى حسابها عند الله، حيث لا يضيع حق، ولا يفلت ظالم من عدله.

في خضم هذا الواقع، كان قراري بالسفر إلى المملكة المغربية لمواصلة دراسة الدكتوراه في الإعلام إيمانًا راسخًا بأن العلم هو الطريق الذي لا ينبغي أن يتوقف مهما اشتدت الظروف، لم تكن الرحلة هروبًا من الوطن، بل تأكيدًا على أن بناء الإنسان بالعلم يُعد من أهم ركائز بناء الأوطان، وأن الغربة في سبيل المعرفة قد تكون مؤلمة، لكنها تظل جديرة بكل ما يُبذل من أجلها.

لم تكن فترة الغياب سهلة، فالغربة تُعلّم الإنسان ما لا يُدرك، وتضعه أمام تحديات جديدة تُسهم في صقل شخصيته وتعزيز نضجه واعتماده على نفسه، ومع كل يوم بين قاعات الدراسة والمكتبات والبحث العلمي، كنت أزداد يقينًا بأن طريق النجاح لا يُختصر، بل يُبنى بالصبر والاجتهاد والإيمان العميق بالهدف.

بفضل الله تعالى، أكملت السنة الأولى من مرحلة الدكتوراه بدرجة امتياز، وهو إنجاز أحمد الله عليه كثيرًا، وأعدّه بداية مشجعة لمواصلة ما تبقى من هذه الرحلة العلمية، ولم يقتصر ما اكتسبته على الجانب الأكاديمي فحسب، بل كانت تجربة ثرية إنسانيًا أيضًا، من خلال التعرف إلى ثقافات متعددة، والانفتاح على تجارب جديدة، واكتساب خبرات ستظل رصيدًا يرافقني في مسيرتي العلمية والعملية.

شكّلت هذه التجربة أمامي فرصة للتعرف عن قرب على المغرب؛ بلد يجمع بين أصالة التاريخ وروح الحداثة، ويتميز بالانضباط والتنوع الثقافي والتعايش بين مختلف الجنسيات، وهي تجربة تركت في نفسي انطباعًا إيجابيًا، وأكدت لي أن أصدق الأحكام هي تلك التي تُبنى على المعايشة لا على السماع.

خلال هذه الرحلة أدركت أيضًا حقيقةً طالما أكدها الحكماء، وهي أن "رضا الناس غاية لا تُدرك"، فمهما اجتهد الإنسان وحقق من إنجازات، سيظل هناك من ينتقد أو يقلل، في حين يقدّر آخرون قيمة الجهد والعطاء، لذلك تعلمت أن أجعل رضا الله أولًا، ثم رضا ضميري، وأن أواصل طريقي بثبات دون الالتفات إلى ما يثبط العزائم، فالأيام وحدها كفيلة بإثبات قيمة العمل، والنجاح الحقيقي هو أن يكون الإنسان اليوم أفضل مما كان عليه بالأمس.

ورغم كل ما تحمله هذه الرحلة من إنجازات وتجارب، سيبقى الوطن حاضرًا في القلب مهما ابتعدت المسافات، وستظل عدن هي المدينة التي انطلقت منها أحلامي، والتي أتطلع إلى العودة إليها يومًا بعلم نافع، وخبرة متراكمة، ورسالة صادقة أقدّم بها ما يخدم وطني ومجتمعي، والمجال الإعلامي الذي أنتمي إليه، فالأوطان لا تُبنى بالشعارات ولا بالأمنيات وحدها، وإنما تُبنى بالعلم والعمل والإخلاص، وبأبناء يؤمنون بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع بالصبر والاجتهاد والإرادة.. وأسأل الله أن يوفقني في إكمال هذه الرحلة، وأن يجعل ما أتعلمه اليوم نافعًا لي ولوطني، وأن يكتب للوطن السلام، ولأهله مستقبلًا يليق بتضحياتهم وآمالهم.




شاهد أيضًا

حادثة صادمة في مدرسة بكريتر.. غموض يحيط بدخول امرأة إلى الحم ...

السبت/19/سبتمبر/2026 - 01:35 م

أثارت واقعة تعرض طفلة لقص شعرها داخل إحدى مدارس مديرية كريتر في العاصمة عدن حالة من الاستياء والتساؤلات، بعد دخول امرأة إلى المدرسة وتمكنها، وفق الروا


بين حرب مكلفة وتسوية مُرّة.. السعودية أمام أصعب خياراتها مع ...

الثلاثاء/15/سبتمبر/2026 - 07:20 ص

تواجه السعودية واحدة من أعقد لحظات المواجهة مع جماعة الحوثي منذ سنوات، بعدما نقل التقدم العسكري للجماعة على الساحل الغربي وهجماتها المتصاعدة على الممل


حافلة متجهة إلى عدن تثير الشكوك.. ما كشفته الهواتف فتح ملفًا ...

الثلاثاء/15/سبتمبر/2026 - 07:00 ص

ضبطت الأجهزة الأمنية في مثلث العند بمديرية المسيمير في محافظة لحج مجموعة من المهاجرين الأفارقة أثناء توجههم نحو العاصمة عدن، وسط اشتباه بانخراط بعض أف


كيف سقطت المخا خلال ساعات؟ تقرير يكشف اختراقًا قلب المعركة ...

الإثنين/14/سبتمبر/2026 - 07:50 ص

كشف تقرير تحليلي حديث تفاصيل لافتة بشأن الانهيار السريع الذي شهدته جبهات الساحل الغربي وسقوط المخا ومواقع استراتيجية مطلة على باب المندب بيد الحوثيين،