أطلق المبعوث الأمريكي السابق إلى اليمن تيم ليندركينغ تحذيرًا شديد اللهجة بشأن مستقبل الأمن البحري في المنطقة، معتبرًا أن احتمال تمكن الحوثيين من السيطرة على باب المندب يمثل أحد أخطر السيناريوهات التي يجب الاستعداد لها، في وقت كشف فيه أن الولايات المتحدة لا تعمل حاليًا بشكل نشط لمنع وقوع هذا السيناريو.
وخلال جلسة نقاشية نظمها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية والمركز العربي واشنطن دي سي، قال ليندركينغ إن أي سلام مستدام في اليمن أصبح مرتبطًا بقدرة القوى الإقليمية الرئيسية على صياغة خطة مشتركة، مشيرًا إلى أن السعودية والإمارات وسلطنة عُمان تمثل أطرافًا لا يمكن تجاوزها في أي تسوية سياسية قادمة.
لكن التحذير الأبرز جاء من البحر الأحمر، حيث وضع ليندركينغ سيطرة الحوثيين المحتملة على باب المندب في مقدمة المخاطر التي ينبغي أن تشغل المنطقة والمجتمع الدولي، لما يمكن أن تفرضه من تداعيات على الملاحة العالمية والاقتصاد السعودي والتجارة الدولية واقتصادات دول المنطقة.
المفارقة الأخطر، بحسب المسؤول الأمريكي السابق، أن هذا السيناريو الذي يصفه بأنه يستحق القلق والاستعداد لا يقابله في الوقت الراهن تحرك أمريكي نشط لمنعه.
واشنطن تطوي صفحة اليمن؟
ولم يكتفِ ليندركينغ بالتحذير من الخطر الحوثي، بل وجه انتقادًا واضحًا لمستوى اهتمام الإدارة الأمريكية الحالية بالملف اليمني، معتبرًا أن اليمن لم يعد يحتل موقعًا متقدمًا في أجندة واشنطن.
وقال إن الإدارة الأمريكية �قلبت الصفحة� بعد انتهاء عمليتها العسكرية ضد الحوثيين، وانتقلت إلى أزمات وملفات أخرى، محذرًا من أن تجاهل اليمن قد يفتح الباب أمام تداعيات أمنية تتجاوز حدوده.
وأضاف أن آخر رسالة وجهها للمسؤولين الأمريكيين قبل مغادرته وزارة الخارجية في أبريل كانت واضحة: �لا تهملوا اليمن�.
الحوثي لم يعد مشكلة يمنية فقط
ويرى ليندركينغ أن الحوثيين تجاوزوا منذ سنوات حدود كونهم طرفًا في الصراع الداخلي اليمني، وتحولوا إلى فاعل إقليمي يمتلك شبكة علاقات وتحركات خارج اليمن.
وأشار إلى تنامي علاقاتهم بحركة الشباب في الصومال، ووجود مقاتلين يمنيين في صراعات إقليمية أخرى، فضلًا عن استمرار وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني في صنعاء، معتبرًا أن هذه التطورات تجعل التعامل مع الحوثيين باعتبارهم جماعة محلية فقط قراءة لم تعد كافية.
وبحسب رؤيته، فإن تهديد الجماعة لم يعد محصورًا في الأراضي اليمنية، بل امتد إلى باب المندب والمحيط الهندي وأمن الملاحة والمصالح السعودية والأمريكية والخليجية.
السعودية والإمارات.. الخلاف الذي دفع اليمن الثمن
وفي أخطر جوانب حديثه عن المعادلة الإقليمية، أشار ليندركينغ إلى أن الخلاف بين السعودية والإمارات أصبح أكثر حدة منذ ديسمبر الماضي، وانتقل من اختلاف المصالح إلى صدامات ميدانية عنيفة، ما زاد تعقيد المشهد اليمني.
وأشار إلى أن واشنطن كانت خلال فترة توليه منصب المبعوث الأمريكي تعمل على جمع المسؤولين السعوديين والإماراتيين في اجتماعات مشتركة بهدف تضييق مساحة الخلاف وصياغة رؤية أكثر تقاربًا تجاه اليمن.
ويرى أن غياب المقاربة الإقليمية الموحدة يجعل الوصول إلى سلام دائم أكثر صعوبة، ويمنح الأطراف المسلحة مساحة أكبر لإعادة ترتيب أوراقها.
لا اتصالات أمريكية مع الحوثيين حاليًا
وكشف ليندركينغ أن مسؤولين أمريكيين كانوا يلتقون الحوثيين خلال فترة عمله، معتبرًا أن الحوار معهم كان ضروريًا رغم حجم الخلافات.
لكنه قال إنه لا يعتقد بوجود اتصالات أمريكية مع الجماعة في الوقت الحالي، في مؤشر آخر على تغير المقاربة الأمريكية تجاه الملف اليمني.
إسرائيل.. الحوثيون لا يريدون تكرار الضربة
وعن احتمال عودة المواجهة بين الحوثيين وإسرائيل، استبعد ليندركينغ أن تكون الجماعة راغبة في العودة إلى دائرة الاستهداف الإسرائيلي، بعد الأضرار التي لحقت بقياداتها وقدراتها خلال الضربات السابقة.
وقال إن تحركات الحوثيين الحالية تبدو محدودة، ولا تشير حتى الآن إلى رغبة واضحة في توسيع المواجهة.
السؤال الذي يفرض نفسه
حديث ليندركينغ يضع المنطقة أمام معادلة شديدة الحساسية: إذا كان الحوثيون يوسعون نطاق نفوذهم البحري والإقليمي، وإذا كان باب المندب يمثل السيناريو الأخطر، بينما واشنطن لا تتحرك حاليًا بشكل نشط لمنع هذا السيناريو، فمن يملأ الفراغ؟
فالخطر، وفق هذا الطرح، لم يعد متعلقًا فقط بمن يسيطر على مدينة أو جبهة داخل اليمن، بل بمن يمتلك القدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وبين تراجع الاهتمام الأمريكي، وتصاعد الخلافات الإقليمية، وتوسع شبكة الحوثيين خارج اليمن، يبدو أن معركة باب المندب قد تتحول من ورقة في الحرب اليمنية إلى عنوان لصراع إقليمي أكبر.