آخر تحديث :الأربعاء - 15 يوليو 2026 - 02:05 م

بين عدن والمغرب.. رحلة علم وحلم لا يزال مستمرًا

الأربعاء - 15 يوليو 2026 - الساعة 12:31 م

حسين القملي
الكاتب: حسين القملي - ارشيف الكاتب



هناك محطات في حياة الإنسان لا تُقاس بالسنوات، بل بما تتركه في النفس من أثر، وما تصنعه في الشخصية من نضج، وما تضيفه إلى الرصيد العلمي والإنساني، فبعض الرحلات لا تُختصر في المسافات التي نقطعها، وإنما فيما تتركه من معرفة، وما تمنحه للإنسان من قدرة على مواصلة الطريق بثقة وإيمان.

في مثل هذا اليوم، قبل ثلاث سنوات، وقفت في كلية الآداب بجامعة عدن أناقش رسالة الماجستير، التي تُوِّجت بالحصول على درجة الماجستير في الإعلام بتقدير امتياز، متصدرًا الدفعة، كانت لحظة فارقة في حياتي، لكنها لم تكن بالنسبة لي نهاية المشوار، بل بداية لحلم أكبر، وإيمانًا راسخًا بأن العلم رحلة لا تتوقف، وأن لكل إنجاز مسؤولية تدفع صاحبه إلى البحث عن أفق جديد.

واليوم، وبعد ثلاثة أعوام، أحتفل بمحطة علمية جديدة بإكمال السنة الأولى من دراسة الدكتوراه في المملكة المغربية الهاشمية، وكأن الزمن أراد أن يربط بين هاتين المحطتين؛ من عدن التي شهدت انطلاقة الحلم، إلى المغرب الذي أواصل فيه كتابة فصل جديد من مسيرتي الأكاديمية.

لم يكن قرار السفر سهلًا، فقد كان يعني الابتعاد عن الوطن والأهل والأصدقاء، لكنه كان أيضًا قرارًا نابعًا من قناعة راسخة بأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في العلم، وأن الغربة في سبيل المعرفة تستحق ما يرافقها من تحديات وتضحيات.

وبفضل الله تعالى، أنهيت السنة الأولى من مرحلة الدكتوراه بنجاح، وأكملت الفصل الدراسي الأول بتقدير امتياز، وهو إنجاز أحمد الله عليه كثيرًا، وأعدّه حافزًا لمواصلة هذه الرحلة بعزيمة أكبر، ولم يكن ذلك وليد لحظة، بل ثمرة أشهر من الالتزام، والعمل المتواصل، والانغماس في الدراسة والبحث العلمي، فقد أصبحت الحياة خلال الأشهر الماضية تدور بين قاعات الدراسة، والمكتبات، والبحوث، والمراجع الأكاديمية، كانت أيامًا مليئة بالتعب، لكنها حملت في داخلها متعة لا يعرفها إلا من يؤمن بأن لكل جهد ثمرة، وأن الإنجازات الحقيقية تُبنى بالصبر والانضباط قبل أن تُتوَّج بالشهادات.

لم تقتصر هذه التجربة على الجانب الأكاديمي فحسب، بل أسهمت في تطوير شخصيتي، وصقلت خبراتي، وعززت قدرتي على التكيف مع بيئة جديدة، والتعامل مع ثقافات متعددة، والاعتماد على النفس، لأدرك أن رحلة العلم تُغيّر الإنسان من الداخل بقدر ما تضيف إلى رصيده المعرفي.

وإذا كانت الجامعة قد منحتني تجربة علمية ثرية، فإن الحياة خارج أسوارها كانت مدرسة أخرى لا تقل أهمية، فقد اكتشفت في المملكة المغربية الهاشمية بلدًا يجمع بين أصالة التاريخ وروح الحداثة، وبين التنوع الثقافي والاحترام المتبادل، حيث يعيش الناس في بيئة يسودها النظام، وتحظى المعرفة والتعليم بمكانة تستحق التقدير.

كما أدركت أن كثيرًا مما يُقال عن البلدان لا يمكن الحكم عليه من بعيد، وأن التجربة المباشرة هي وحدها القادرة على رسم الصورة الحقيقية، ولذلك سيبقى المغرب حاضرًا في ذاكرتي بما وجدته فيه من كرم، وتسامح، واحترام للإنسان، وبيئة علمية وثقافية فتحت أمامي آفاقًا جديدة للتعلم والتطور.

ورغم كل ما منحَتْني هذه الرحلة من علم وخبرة وتجارب، يبقى القلب معلقًا بالعاصمة، المدينة التي بدأت منها الحكاية، والتي تعلمت فيها أن الأحلام الكبيرة تستحق أن نسافر من أجلها، فما زلت أؤمن بأن كل خطوة أخطوها في سبيل العلم هي خطوة نحو خدمة وطني، والإسهام بما أكتسبه من معرفة في تطوير المجال الإعلامي، ورد جزء من الجميل للأرض التي صنعت البدايات.

وعندما أنظر اليوم إلى هذه الرحلة، أدرك أن ما تحقق ليس سوى محطة في طريق ما يزال طويلًا، وأن كل إنجاز يحمل في داخله مسؤولية جديدة، ويمنح صاحبه دافعًا لمواصلة العمل والاجتهاد.

أسأل الله أن يوفقني في إكمال هذه المسيرة العلمية، وأن يجعلها رحلة مليئة بالخير والعلم والنفع، وأن أعود إلى وطني حاملًا علمًا يسهم في خدمة المجتمع، ويكون امتدادًا لمسيرة بدأت بحلم، وما زالت تمضي بإيمانٍ لا ينطفئ، فالعلم يبقى أعظم استثمار في حياة الإنسان، والطموح لا تحدّه المسافات، وما دام في العمر بقية، فسيظل التعلم أجمل رحلة يمكن أن يخوضها الإنسان.




شاهد أيضًا

قيادات ومشائخ الضالع يرفضون إدراج قتلة الشهداء في صفقات تباد ...

الأربعاء/08/يوليو/2026 - 09:54 م

أعلنت قيادات ومشائخ وأعيان وأولياء دم الشهداء بمحافظة الضالع رفضها القاطع لأي توجه لإدراج مدانين في قضايا اغتيال، بينهم المتهمون بقتل الشهيد القائد مح


من الكفاءة إلى الشهرة.. هل تتحول مؤسسات حضرموت إلى "مهرجان ت ...

السبت/04/يوليو/2026 - 06:40 م

أثار الجدل الدائر حول آلية اختيار بعض المشاركين في الفعاليات واللجان العامة بمحافظة حضرموت موجة من الانتقادات، بعد اتهامات بتغليب الحضور على منصات الت


القرارات الجمهورية المفقودة.. لماذا تُخفى بعض قرارات الرئاسة ...

الجمعة/03/يوليو/2026 - 11:20 م

أثارت تساؤلات متداولة بشأن تسلسل القرارات الجمهورية الصادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي موجة من النقاش حول مستوى الشفافية في عمل مؤسسة ا


من استهداف الصورة إلى اقتلاع المنصة... ماذا يخيفهم في ساحة ا ...

الثلاثاء/23/يونيو/2026 - 04:00 م

في الوقت الذي تغرق فيه العاصمة عدن تحت وطأة الانهيار الخدمي والاقتصادي، وتتصاعد معاناة المواطنين مع انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وتأخر الرواتب، اتج