لم تعد أزمة الغاز المنزلي في عدن والمناطق المحررة مجرد أزمة تموين عابرة يمكن دفنها في بيان رسمي أو تعليقها على شماعة القطاعات القبلية والطرق والصيانة. ما يحدث اليوم أكبر من ذلك بكثير؛ إنه اختبار مكشوف لفشل إدارة قطاع حيوي، ولقدرة الحكومة على قول الحقيقة قبل البحث عن شماعة جديدة.
بعد أيام فقط من التطمينات الرسمية بانتهاء أعمال الصيانة في منشآت صافر وبدء ارتفاع الإنتاج، جاءت الوثائق لتكشف توقف معمل CPU-2 في 18 أغسطس، بما أحدث عجزًا يوميًا يقدر بنحو 6 آلاف برميل، أي قرابة 20 مقطورة غاز. والأكثر إثارة أن إنتاج المعمل هبط من 5,816 برميلًا في 7 أغسطس إلى 240 برميلًا فقط في يوم توقفه. ([تطبيق نبض][1])
هنا تحديدًا يجب أن تتوقف الحكومة عن مخاطبة المواطن بمنطق التطمينات، وتبدأ مخاطبته بمنطق المسؤولية والمحاسبة.
من قال الحقيقة؟
السؤال لم يعد: لماذا لا يصل الغاز إلى عدن؟
السؤال الأخطر هو: ماذا يحدث داخل صافر؟
كيف تعلن الجهات الرسمية انتهاء الصيانة وبدء انفراج الإمدادات، ثم يظهر بعد أيام معمل متوقف وعجز جديد بعشرات القاطرات؟
وإذا كان السبب عطلًا فنيًا، فلماذا لم يُكشف للرأي العام بوضوح؟ وإذا كانت المشكلة في الصيانة، فمن يتحمل مسؤولية إعلان الجاهزية قبل ضمان استقرار الإنتاج؟ وإذا كان الإنتاج يتراجع بهذه السرعة، فأين خطط الطوارئ التي يفترض أن تحمي السوق من الانهيار؟
هذه ليست تفاصيل فنية يمكن تركها للجان المختصة؛ هذه أرقام تتحول مباشرة إلى طوابير وأسعار وسوق سوداء ومعاناة داخل كل بيت.
الحكومة تعرف الأزمة.. لكنها لا تملك رواية واحدة
الأغرب أن الحكومة تقدم أكثر من تفسير للأزمة في الوقت نفسه: قطاعات قبلية، صعوبات نقل، توسع في استخدام الغاز للسيارات والمنشآت، صيانة في صافر، ثم توقف معمل إنتاج.
لا أحد ينكر أن هذه العوامل قد تؤثر في الإمدادات، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول كثرة الأسباب إلى وسيلة للهروب من السؤال المركزي: من المسؤول عن إدارة المنظومة كاملة؟ فالمواطن لا يشتري �مبررات� من محطة الغاز، ولا يطبخ بيانات الوزارة، يريد أسطوانة، ويريدها بالسعر الرسمي، وفي الوقت المناسب.
صافر ليست تفصيلًا.. إنها قلب الأزمة
ما يجري في صافر يجب أن يوضع أمام الرأي العام باعتباره ملفًا اقتصاديًا وطنيًا لا مجرد شأن فني داخل منشأة إنتاج.
فحين ينخفض إنتاج معمل بهذا الحجم ثم يتوقف، وحين تخسر السوق نحو 6 آلاف برميل يوميًا، فإن القضية تستحق كشفًا كاملًا لسلسلة الإنتاج: الإنتاج الحقيقي، الطاقة التشغيلية، أسباب التراجع، أعمال الصيانة، الأعطال، الكميات المرحّلة، وجهات التوزيع.
أما إبقاء الأرقام في الأدراج وإطلاق تطمينات عامة، فهو بالضبط ما يصنع أزمة الثقة التي أصبحت أخطر من أزمة الغاز نفسها.
المواطن يدفع.. والسوق السوداء تربح
في عدن، لا تحتاج الحكومة إلى تقارير لتعرف حجم الكارثة.
يكفي أن ترى الطوابير.
يكفي أن تسمع شكاوى المواطنين.
يكفي أن تعرف أن السلعة التي يفترض أن تصل إلى الأسرة عبر قنوات رسمية تتحول في أوقات الاختناق إلى فرصة للسمسار والمحتكر.
وهنا تقع مسؤولية الحكومة مرتين: مرة لأنها لم تؤمّن الإمداد، ومرة لأنها لم تمنع استغلال النقص لابتزاز المواطن.
المطلوب ليس لجنة جديدة
لم يعد الشارع بحاجة إلى لجنة أخرى تعقد اجتماعًا، ولا إلى بيان جديد يعد بانفراج قريب، المطلوب هو كشف الحقيقة.
لماذا انهار إنتاج CPU-2؟ ومن المسؤول عن توقفه؟ ومتى سيعود؟ وكم تنتج صافر فعليًا؟ وكم يذهب للسوق المحلية؟ وأين تذهب بقية الكميات؟ ومن يراقب القاطرات منذ خروجها من صافر حتى وصولها إلى المواطن؟
هذه أسئلة بسيطة، لكنها تكشف جوهر الأزمة.
وإذا كانت الحكومة عاجزة عن الإجابة عنها، فإن المشكلة لم تعد في الغاز وحده، بل في منظومة إدارة كاملة فقدت السيطرة على واحدة من أبسط حلقات الأمن المعيشي.
الصمت هنا ليس خيارًا
أزمة الغاز ليست قضية خدمات هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الملفات السياسية والأمنية.
إنها قضية تمس حياة ملايين المواطنين، وكل يوم تستمر فيه الطوابير دون تفسير شفاف يعني أن الحكومة تخسر جزءًا جديدًا من ثقة الشارع.
لقد حان الوقت لأن تتوقف الحكومة عن إدارة الأزمة بالتصريحات، وأن تبدأ بإدارة الحقيقة بالأرقام، فصافر ليست مجرد منشأة تنتج الغاز؛ إنها مرآة لمدى قدرة الدولة على إدارة مواردها. وما يظهر في المرآة اليوم ليس صورة حكومة تسيطر على الأزمة، بل حكومة تلاحق آثارها بعد أن وصلت إلى أبواب المواطنين، والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا أمام الرأي العام هو: اذا كان الغاز موجودًا في باطن الأرض، والمنشآت موجودة، والدولة تملك المؤسسات والموارد.. فمن الذي أوصل المواطن إلى الطابور؟