في مشهد يلخص مفارقة المشهد الحكومي في المناطق المحررة، احتفت حكومة رئيس الوزراء شائع الزنداني بإعادة إصدار الجريدة الرسمية بعد توقف دام أكثر من 11 عامًا، وقدمت الخطوة باعتبارها إنجازًا مؤسسيًا بارزًا، بينما كانت العاصمة عدن تعيش في الخارج واحدة من أزماتها الخدمية والمعيشية الأكثر حدة.
وأقامت وزارة الشؤون القانونية، الخميس، حفلًا في قصر معاشيق بالعاصمة عدن تحت شعار �الجريدة الرسمية.. مرجعية التشريع وسيادة القانون�، بحضور رئيس الوزراء وعدد من الوزراء، احتفاءً باستئناف إصدار الجريدة الرسمية للجمهورية اليمنية.
الزنداني وصف الخطوة بأنها جزء أصيل من مسار الإصلاحات الحكومية، معتبرًا أن استعادة إصدار الجريدة تمثل عودة لمسار مؤسسي يعزز وضوح عمل الدولة وانضباطه وخضوعه للمساءلة.
غير أن المشهد داخل القصر بدا منفصلًا بصورة صارخة عن المشهد خارجه؛ ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تحتفي بإعادة إصدار صحيفة رسمية، كانت عدن تعيش أزمة غاز خانقة، وسط طوابير طويلة ومشاهد ازدحام ومشادات بين المواطنين أمام محطات التعبئة، في أزمة عجزت الحكومة عن احتوائها حتى الآن.
إنجاز على الورق.. وأزمات في الشارع
المفارقة لا تكمن في أهمية الجريدة الرسمية بحد ذاتها، فهي أداة قانونية ومؤسسية مهمة، وإنما في تحويل استئناف إصدارها إلى واجهة لإنجازات حكومية في وقت يبحث فيه المواطن عن أبسط مقومات الحياة.
فالمواطن في عدن لا يواجه أزمة في الوصول إلى الجريدة الرسمية، بقدر ما يواجه أزمات متراكمة في الكهرباء والغاز والأسعار والعملة والخدمات والرواتب، وهي ملفات تمس حياته اليومية بصورة مباشرة.
وتبدو أزمة الغاز تحديدًا أكثر إحراجًا للحكومة، باعتبار أن الأمر يتعلق بمنتج محلي وقطاع يفترض أن يخضع لإدارة الدولة وتنظيمها، فيما تتحدث التقارير عن تراجع الإنتاج في منشأة صافر بمأرب باعتباره أحد عوامل الأزمة.
وبدل أن تتحول هذه الأزمة إلى عنوان لاجتماعات حكومية طارئة ومحاسبة واضحة للجهات المعنية، جاءت الاحتفالات الرسمية لتمنح الأولوية لملف مؤسسي هامشي مقارنة بحجم الأزمات التي تضغط على الشارع.
11 عامًا من الوعود.. والشارع يسأل عن النتائج
إعادة إصدار الجريدة الرسمية بعد أكثر من عقد من التوقف تكشف في جانب آخر حجم التعثر الذي أصاب مؤسسات الدولة خلال سنوات الحرب.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: متى عادت الجريدة إلى الصدور؟
بل: ماذا تحقق للمواطن خلال السنوات التي توقفت فيها؟
فالحكومة ومجلس القيادة الرئاسي قدما خلال مراحل مختلفة وعودًا بالإصلاح واستعادة مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات وبناء نموذج مختلف في المناطق المحررة.
إلا أن الواقع اليوم لا يزال مثقلًا بأزمات مالية واقتصادية وخدمية وأمنية، فيما تتسع المسافة بين الخطاب الرسمي وما يراه المواطن في الشارع.
حين يصبح الهامشي عنوانًا للإنجاز
قد تكون إعادة إصدار الجريدة الرسمية خطوة مؤسسية مطلوبة، لكنها لا يمكن أن تحجب الأسئلة الأكبر المتعلقة بأداء الحكومة.
فالدولة لا تُقاس بعدد أعداد الجريدة التي تطبعها، وإنما بقدرتها على إيصال الغاز إلى المواطن، وتشغيل الكهرباء، ودفع الرواتب، ضبط الأسواق، حماية العملة، وتوفير الخدمات الأساسية.
وهنا تبدو المفارقة أكثر قسوة: حكومة تحتفل بعودة �مرجعية التشريع وسيادة القانون�، بينما المواطن يقف في طابور الغاز يبحث عن أسطوانة يحتاجها لتأمين وجبة أسرته.
وفي النهاية، لا تكمن المشكلة في إعادة إصدار الجريدة الرسمية، بل في أن يتحول إنجاز إداري كان يفترض أن يكون إجراءً طبيعيًا إلى مناسبة احتفالية كبرى في بلد ما تزال أزماته الأساسية تنتظر حلولًا حقيقية.