آخر تحديث :الأحد - 08 نوفمبر 2026 - 07:28 م

الجنوب في زمن التحولات.. حين يصبح الوعي أثقل من السلاح!

الأحد - 20 سبتمبر 2026 - الساعة 11:13 م

حسين القملي
الكاتب: حسين القملي - ارشيف الكاتب


ليست أخطر الحروب تلك التي تُخاض على خطوط التماس، بل تلك التي تنجح في نقل المعركة إلى داخل المجتمع نفسه، فتجعله منشغلًا بخلافاته وصراعاته الداخلية بينما تتغير الجغرافيا من حوله، وتُعاد صياغة موازين القوة على حدوده وفي محيطه.

هذا تحديدًا ما يجعل المرحلة الراهنة شديدة الحساسية بالنسبة للجنوب، فالمنطقة لم تعد أمام أحداث منفصلة يمكن قراءة كل منها بمعزل عن الآخر، وإنما أمام مشهد متداخل تتحرك فيه القوى المحلية والإقليمية وفق حسابات ومصالح متشابكة، وقد لا تتطابق بالضرورة مع ما يريده أبناء الأرض.

في مثل هذه المراحل يصبح الخطأ في قراءة التحولات أكثر كلفة من الخطأ في اتخاذ موقف سياسي عابر، لأن ما يُفقد في السياسة يمكن التفاوض حوله واستعادته، أما ما يُفقد على الأرض فقد يحتاج سنوات طويلة ودماءً كثيرة لاسترداده.

من حق الجنوبيين أن يختلفوا حول القيادة والأداء والتحالفات وطريقة إدارة المرحلة، بل إن الاختلاف والنقد والمراجعة من ضرورات أي مشروع يريد الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة.

من حق الناس أن تسأل عن الأخطاء، وأن تناقش القرارات، وأن ترفض تحويل الأشخاص والمؤسسات إلى مناطق محرمة على المساءلة، لكن ثمة فارقًا جوهريًا بين نقد من يدير القوة وبين الرغبة في انهيار القوة نفسها، فالقوات الموجودة على الأرض لا ينبغي أن تكون ملكًا لقائد أو حزب أو تيار، كما لا ينبغي أن تصبح رهينة للخلافات السياسية.

في المقابل، فإن الوقوف معها لا يعني منح قياداتها صكًا مفتوحًا أو إعفاءها من المسؤولية، لأن الدولة تبدأ فعليًا عندما تصبح المؤسسة أكبر من المسؤول، ويصبح الدفاع عن المؤسسة متوافقًا مع حق المجتمع في مساءلة من يديرها.

هنا تبرز مسألة أكثر تعقيدًا تتعلق بحدود المسؤولية العسكرية للجنوب، لقد دفع الجنوبيون خلال سنوات الحرب أثمانًا كبيرة في جبهات تجاوزت جغرافيتهم، ولذلك فإن رفض تحويل الجنوب إلى مخزون بشري مفتوح لكل معارك اليمن موقف يستحق نقاشًا عقلانيًا بعيدًا عن المزايدات، لا يمكن لأي مجتمع أن يتحمل إلى ما لا نهاية كلفة حروب لا يملك وحده قرارها ولا يحدد أهدافها أو نهاياتها، لكن ذلك لا يعني في المقابل أن يستطيع الجنوب إدارة ظهره لما يحدث حوله، فالجغرافيا لا تعترف بالرغبات السياسية، وانهيار منطقة مجاورة قد يتحول إلى خطر مباشر، وما يبدو اليوم معركة بعيدة قد يصبح غدًا تهديدًا للحدود والمدن والموانئ والممرات البحرية.

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الجنوب سيقاتل شمالًا أو ينكفئ داخل حدوده، وإنما أين يبدأ أمنه القومي، وما حدود القوة التي يحتاج إليها لحمايته، ومن يملك قرار استخدامها، وما المصلحة التي تبرر دفع الدم من أجلها، وبالمنطق ذاته، لا يمكن بناء استراتيجية أمنية على الأمنيات أو الافتراضات المريحة، ليس عقلانيًا الجزم بأن الحرب ستنتقل حتمًا إلى الجنوب، كما ليس عقلانيًا الاطمئنان إلى أنها لن تصل إليه.

الدول الجادة لا تحرس حدودها بحسن الظن، وإنما تقرأ قدرات خصومها وتحركاتهم ومصالحهم، وتضع السيناريوهات قبل أن تتحول الاحتمالات إلى وقائع، ولهذا فإن التعامل مع الحوثيين أو غيرهم يجب ألا يكون انعكاسًا لخلافات الجنوبيين الداخلية، فالخصومة مع طرف سياسي في الداخل لا ينبغي أن تدفع إلى التقليل من خطر خارجي، كما أن الخوف من ذلك الخطر لا ينبغي استخدامه لإغلاق باب النقد أو فرض الاصطفاف السياسي على الجميع.

الأمن الحقيقي يبدأ عندما تتحول المخاطر إلى حسابات دولة، لا إلى أدوات في الصراع بين الأطراف، أما العلاقة مع القوى الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، فهي الأخرى بحاجة إلى إخراجها من ثنائية الولاء المطلق والعداء المطلق، فالدول لا تتحرك بالعواطف، والتحالفات لا تُبنى على المحبة أو الخصومة الشخصية، وإنما على المصالح وتوازناتها.

من حق الجنوب أن يبحث عن شراكات تحمي أمنه وتدعم استقراره، ومن حق شركائه أن يتحركوا وفق مصالحهم، لكن العلاقة المتوازنة هي التي تسمح بالتقاء المصالح من دون أن يتحول الحليف إلى صاحب قرار بالنيابة عن أصحاب الأرض، فالتحالف الذي لا يحتمل الاختلاف يفقد توازنه، والاستقلال الذي يقوم على معاداة الجميع يتحول إلى عزلة، وما يحتاجه الجنوب هو القدرة على الجمع بين شبكة علاقات إقليمية قوية وبين قرار سياسي يعرف أين تتقاطع المصالح وأين تبدأ الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

ربما يكون الخطر الأشد في هذه المرحلة أن تتحول الخلافات الجنوبية نفسها إلى معارك وجودية، فيصبح المختلف خائنًا، والناقد عدوًا، والمؤيد مستفيدًا، والمعارض متآمرًا، بهذه اللغة لا تُبنى دولة، وإنما يُعاد إنتاج الانقسامات داخل القضية الواحدة.

ليس كل من ينتقد المجلس الانتقالي الجنوبي العربي خصمًا للجنوب، وليس كل من يؤيده منزّهًا عن الخطأ، كما أن الاختلاف حول العلاقة مع السعودية أو الإمارات لا ينبغي أن يتحول إلى معيار لقياس الوطنية، فالسياسة أكثر تعقيدًا من هذه التصنيفات، وأي مشروع يسعى إلى تمثيل مجتمع كامل يجب أن يمتلك القدرة على استيعاب الاختلاف لا الخوف منه، لأن الدولة في جوهرها ليست اجتماع المتشابهين، بل الإطار الذي ينظم اختلاف المختلفين ويحمي حقهم في البقاء داخل الوطن نفسه.

ما يحتاجه الجنوب اليوم هو معادلة سياسية أكثر نضجًا، أن تُحمى الأرض من دون مصادرة الرأي، وأن تُساند القوات من دون تعطيل المساءلة، وأن تُنتقد القيادة من دون هدم المؤسسات، وأن تُبنى العلاقات مع الحلفاء من دون التنازل عن استقلال القرار، فالجنوب ليس ملكًا لمجلس أو قائد أو قبيلة أو منطقة أو دولة إقليمية، وإنما مسؤولية جماعية، وأي قيادة تتقدم لتمثيله لا تستمد قوتها فقط من قدرتها على حشد المؤيدين، بل أيضًا من قدرتها على إدارة الاختلاف وحماية المجال السياسي من التحول إلى خصومات داخلية تستنزف الجميع.

السلام الذي يتطلع إليه الناس لا تصنعه الأمنيات وحدها، مثلما لا يصنعه السلاح وحده، السلام في منطقة مزدحمة بالمشاريع المتنافسة يحتاج إلى قوة تمنع فرض الأمر الواقع بالقوة، لكنه يحتاج كذلك إلى سياسة تعرف متى تستخدم تلك القوة ومتى تتفاوض، وإلى اقتصاد يمنح المجتمع مصلحة حقيقية في الاستقرار، وإلى مؤسسات تجعل المواطن يشعر أن الذي يحميه ليس اسم القائد أو نفوذ الجماعة، بل القانون والدولة.

لقد دفع الجنوب من الدم ما يكفي ليدرك أن الانتصار العسكري لا يكتمل إذا لم يتحول إلى استقرار سياسي ومؤسسات قادرة على حماية ما تحقق، وأن استعادة الأرض تفقد جزءًا كبيرًا من معناها إذا ضاع المجتمع في الطريق.

لهذا فإن مسؤولية الجنوبيين اليوم ليست أن يتفقوا في كل شيء، فهذا غير واقعي ولا يمثل شرطًا لبناء الدول، فالمسؤولية الحقيقية هي أن يعرفوا متى يختلفون، وعلى ماذا يختلفون، وأين يجب أن يتوقف الخلاف عندما تصبح المصلحة العامة مهددة، فالقيادات تتغير، والأخطاء يمكن تصحيحها، والتحالفات يمكن مراجعتها، والمواقف السياسية قد تتبدل بتبدل الظروف، لكن الأرض إذا فُقدت والصف الداخلي إذا تمزق، فقد تكون كلفة إعادة البناء أكبر بكثير من كلفة ضبط الخلاف في لحظته، وفي زمن تتغير فيه الخرائط بسرعة، تصبح الحكمة في ألا يسمح أصحاب القضية لخلافاتهم بأن تمنح الآخرين فرصة تقرير مستقبلهم بالنيابة عنهم.

الجنوب لا يصبح أقوى عندما يفكر أبناؤه بالطريقة نفسها، بل عندما يختلفون دون أن يهدموا البيت الذي يجمعهم، لأنه أكبر من خلافات رجاله، وأبقى من تحالفاتهم، وأثمن من أن يتحول إلى ورقة على خرائط الآخرين.




شاهد أيضًا

بالفيديو.. قوات العمالقة الجنوبية تدمر ثلاث منظومات لإطلاق ا ...

الخميس/05/نوفمبر/2026 - 01:07 ص

دمرت قوات العمالقة الجنوبية ثلاث منظومات جديدة لإطلاق الصواريخ تابعة لمليشيا الحوثي، كانت مهيأة للإطلاق، ومصرع طواقم تشغيلها. وقال المركز الإعلامي لقو


بالفيديو : العمالقة تدمر مركبتين عسكريتين للحوثي ومصرع من كا ...

الأربعاء/04/نوفمبر/2026 - 01:28 م

دمرت قوات العمالقة الجنوبية مركبتين عسكريتين تابعتين لميليشيا الحوثي، وأوقعت من كان على متنهما بين قتيل وجريح. وقال مصدر عسكري إن قوات العمالقة رصدت ت


شهيد وجرحى بقصف حوثي بصاروخين باليستيين على سوق طور الباحة ف ...

الثلاثاء/03/نوفمبر/2026 - 05:04 م

استشهد مواطن وأصيب عدد آخر كحصيلة أولية، جراء استهداف مليشيا الحوثي الإرهابية سوق طور الباحة في محافظة لحج بصاروخين باليستيين. وقالت مصادر محلية إن ال


تنبيه هام من اليمنية ...

الثلاثاء/03/نوفمبر/2026 - 04:54 م

أصدرت الخطوط الجوية اليمنية، تعميما هاما لوكلاء السفر يلزمهم بضوابط جديدة لإصدار تذاكر السفر إلى المملكة العربية السعودية بحسب نوع التأشيرة. وأوضح مدي