تواجه السعودية واحدة من أعقد لحظات المواجهة مع جماعة الحوثي منذ سنوات، بعدما نقل التقدم العسكري للجماعة على الساحل الغربي وهجماتها المتصاعدة على المملكة الصراع من مرحلة الاحتواء إلى معادلة جديدة تبدو فيها خيارات الرياض محدودة، فيما تحمل جميع السيناريوهات كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية مرتفعة.
وخلص تحليل نشرته شبكة CNN إلى أن السعودية لا ترغب في الانجرار إلى حرب شاملة جديدة في اليمن، إلا أن استمرار التصعيد الحوثي واقتراب الجماعة من الممرات البحرية الاستراتيجية قد يدفع الرياض تدريجيًا نحو رد عسكري أوسع.
وقال الخبير في الشأن اليمني محمد الباشا للشبكة إن المؤشرات تتجه نحو احتمال رد سعودي واسع، معتبرًا أن هذا الاحتمال يتزايد يومًا بعد آخر مع استمرار الهجمات وتغير الخارطة الميدانية.
باب المندب يغيّر الحسابات
وتفاقمت الضغوط على السعودية بعد سيطرة الحوثيين على مدينة وميناء المخا وجزيرة بريم الواقعة عند مدخل البحر الأحمر، الأمر الذي منح الجماعة حضورًا مباشرًا بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.
وتزامن ذلك مع تعرض خط أنابيب �شرق–غرب� السعودي لهجوم بطائرات مسيرة، وهو خط اكتسب أهمية مضاعفة بالنسبة للرياض في ظل الاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وتشير هذه التطورات إلى أن السعودية باتت تواجه ضغوطًا متزامنة على أكثر من جبهة؛ من الجنوب عبر الحوثيين، ومن الشرق عبر التوتر مع إيران والجماعات المسلحة المرتبطة بها في العراق.
الخيار الأول.. مواجهة عسكرية واسعة
يتمثل السيناريو الأكثر وضوحًا في توسيع العمليات العسكرية ضد الحوثيين ودعم القوات اليمنية لاستعادة المناطق التي خسرتها خلال الأسابيع الأخيرة.
لكن هذا الخيار، بحسب محللين تحدثوا إلى CNN، يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يعيد اليمن إلى حرب مفتوحة واسعة ويعرض المنشآت والمدن السعودية لموجة جديدة من الصواريخ والطائرات المسيرة.
وقالت الباحثة سينزيا بيانكو إن الدخول بثقل عسكري كامل قد يعيد إنتاج سنوات الحرب السابقة، مع فارق أن الصراع الإقليمي اليوم أكثر تعقيدًا بسبب المواجهة القائمة بين واشنطن وطهران.
كما أن اتساع الحرب قد يحول السعودية من طرف يسعى إلى احتواء التصعيد إلى طرف مباشر في المواجهة الإقليمية الأوسع مع إيران.
واشنطن ترفض الدخول المباشر
ويزيد الموقف الأمريكي من صعوبة الحسابات السعودية.
فبحسب CNN وتقارير دولية أخرى، رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانخراط في ضربات أمريكية مباشرة ضد الحوثيين رغم اتصالات سعودية على مستوى رفيع، بينما اختارت واشنطن تقديم دعم استخباراتي وعسكري محدود للرياض.
وأرسلت الولايات المتحدة مستشارين عسكريين للمساعدة في تبادل المعلومات ودعم عمليات الاستهداف، إلا أن الموقف الأمريكي لا يزال قائمًا على تجنب فتح جبهة عسكرية جديدة في اليمن.
ويعني ذلك أن أي تصعيد سعودي واسع قد يجري دون الغطاء العسكري الأمريكي المباشر الذي قد تحتاجه الرياض في مواجهة طويلة ومعقدة.
الخيار الثاني.. العودة إلى التفاوض
أما المسار الآخر فيتمثل في محاولة إعادة فتح قنوات التفاوض مع الحوثيين والوصول إلى اتفاق سياسي أو أمني يوقف التصعيد.
لكن محللين يرون أن مساحة التسوية أصبحت أضيق بكثير بعد المكاسب العسكرية الأخيرة للحوثيين، إذ يمكن أن تدخل الجماعة أي مفاوضات من موقع أقوى وتطرح مطالب أكثر صعوبة.
وترى بيانكو أن السعودية استنفدت جزءًا كبيرًا من أدوات �الصبر الاستراتيجي� بعد أشهر من التحذيرات والرسائل السياسية التي لم تمنع التصعيد.
ويعتقد الباشا أن تقديم تنازلات كبيرة للحوثيين في هذه المرحلة قد يُنظر إليه باعتباره رضوخًا لمطالب الجماعة بعد تقدمها العسكري.
الخيار الثالث.. حرب يمنية بدعم سعودي
ويبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب هو زيادة الدعم السعودي للقوات اليمنية دون تحول المملكة إلى طرف بري مباشر في الحرب.
ويشمل ذلك تكثيف الدعم الاستخباراتي واللوجستي والجوي، وإعادة تنظيم القوات المناهضة للحوثيين، ومحاولة فتح جبهات متعددة لإجبار الجماعة على تشتيت قواتها.
وقال المحلل السعودي سلمان الأنصاري إن الحملة التي تقودها القوات الحكومية اليمنية بدعم التحالف بدأت بالفعل، متوقعًا ارتفاع وتيرتها بصورة كبيرة وربما ظهور �مفاجآت� على عدد من الجبهات.
لكنه أشار إلى أن السعودية قد تتجنب الدخول في حرب شاملة دون دعم دولي واضح ومستمر.
معادلة بلا خيارات سهلة
وتبدو الرياض اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فالتراجع السياسي قد يمنح الحوثيين مكاسب إضافية، بينما يمكن أن يعيد التصعيد العسكري المملكة إلى حرب طويلة لا تعرف نتائجها.
وفي الوقت نفسه، يضاعف استمرار سيطرة الحوثيين على مواقع قريبة من باب المندب المخاطر الاقتصادية والأمنية، خصوصًا مع تعرض طرق تصدير النفط السعودية لضغوط متزامنة من اتجاهي البحر الأحمر والخليج.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن السعودية لم تعد تتعامل فقط مع جماعة مسلحة على حدودها الجنوبية، بل مع قوة أصبحت تمتلك أوراق ضغط على طرق التجارة والطاقة، مدعومة بعلاقة استراتيجية مع إيران.
وهكذا تبدو الخيارات السعودية محصورة بين حرب مرتفعة الكلفة، وتسوية سياسية بشروط صعبة، أو محاولة إعادة بناء ميزان القوى اليمني من الداخل.
وفي كل الحالات، فإن المعركة المقبلة لن تتحدد فقط في جبهات اليمن، بل في قدرة الرياض على إدارة صراع بات مرتبطًا مباشرة بأمن الطاقة وباب المندب ومضيق هرمز ومستقبل التوازن الإقليمي بأكمله.