كلما تأملت ما يدور حولنا، يزداد لدي شعور بأن أخطر ما نواجهه اليوم ليس حجم الأزمات وحده، بل ذلك الإنهاك الصامت الذي أصاب الناس بعد سنوات طويلة من الانتظار والخذلان، أرى وجوهًا لم تعد تطلب الكثير، وشبابًا تقلصت أحلامهم، وأسرًا باتت منشغلة بتدبير يومها أكثر من التفكير في غدها، ومواطنًا يسمع منذ سنوات أن عليه أن يصبر لأن المرحلة استثنائية، حتى كادت المرحلة الاستثنائية تصبح عمرًا كاملًا.
من وجهة نظري، فإن الشعوب لا تنكسر دفعة واحدة، كما أن الأوطان لا تنهار دائمًا بصوت المدافع، هناك انهيارات أكثر هدوءًا وخطورة؛ تبدأ حين يفقد الإنسان ثقته بأن الغد يمكن أن يكون مختلفًا، وحين يتحول ما كان حقًا طبيعيًا إلى أمنية، وما كان استثناءً إلى واقع يومي، وما كان مرفوضًا بالأمس إلى شيء نتعايش معه اليوم وكأنه قدر لا يمكن تغييره.
لسنوات، قيل للناس اصبروا؛ فهناك حرب، وهناك معركة، وهناك ظروف استثنائية، وهناك خصوم ومؤامرات وحسابات أكبر، والناس صبروا، وتحملوا، وقدموا من حياتهم وأمنهم واستقرارهم الكثير، لكنني أعتقد أن من حقهم بعد كل هذه السنوات أن يسألوا سؤالًا بسيطًا: إلى متى؟ وإلى أين يقودنا كل هذا الصبر؟
هذا السؤال، في تقديري، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره اعتراضًا على قضية أو تخليًا عن موقف أو اصطفافًا مع خصم، فالأوطان أكبر من الأشخاص، والقضايا أكبر من المسؤولين، والمشروع الذي لا يحتمل السؤال عن أخطائه ونتائجه يحتاج إلى مراجعة أكثر مما يحتاج إلى التصفيق.
أكثر ما يثير استغرابي في مشهدنا السياسي أن الجميع تقريبًا يمتلك رواية تشرح لماذا وصلنا إلى هنا، كل طرف يستطيع أن يحدثك طويلًا عن العراقيل التي وُضعت أمامه، وعن الأخطاء التي ارتكبها الآخرون، وعن الظروف التي منعته من تحقيق ما وعد به، وقد تكون في كثير من هذه الروايات أجزاء حقيقية، لكن النتيجة التي يراها المواطن أكثر بساطة، السنوات تمر، بينما حياته تزداد صعوبة.
هنا أجد نفسي أمام سؤال لا أملك له إجابة سهلة: كيف يمكن أن يكون الجميع على حق، بينما الواقع بهذا القدر من الخطأ؟ وكيف يمكن أن يكون الجميع ضحايا، بينما هناك شعب كامل يدفع ثمن النتائج؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا كانت المسؤولية في كل مرة تنتقل من جهة إلى أخرى، حتى تنتهي بلا عنوان؟
لا أقول ذلك بحثًا عن متهم جديد؛ فقد تعبنا أصلًا من صناعة المتهمين، وأعتقد أن مشكلتنا أصبحت أكبر من اختزالها في شخص أو جهة أو مرحلة، ما نحتاج إليه هو ثقافة سياسية مختلفة، تمتلك شجاعة الاعتراف بأن الخطأ يمكن أن يصدر من الصديق كما يصدر من الخصم، وأن الدفاع عن قضية عادلة لا يعني الدفاع عن كل من يتحدث باسمها، وأن نقد الأداء لا يعني التخلي عن المبادئ.
الولاء للوطن، كما أفهمه، لا يعني أن أقول إن كل شيء بخير عندما لا يكون كذلك، والانتماء لا يُقاس بمقدار ما يستطيع الإنسان أن يصمت عن الخطأ، بل بقدرته على أن يقول الحقيقة حين تصبح الحقيقة مكلفة.
لقد أصبح المواطن يسمع الكثير من الحديث عن الانتصارات والمشاريع والمراحل المقبلة، لكنه في النهاية لا يقيس السياسة باللغة التي يتحدث بها السياسيون، المواطن لديه ميزان مختلف: هل تحسنت حياته؟ هل شعر بالأمان؟ هل أصبح دخله قادرًا على حماية كرامته؟ هل رأى مؤسسات تعمل؟ وهل يستطيع ابنه أن يحلم بمستقبل داخل وطنه بدل أن يصبح أول أحلامه البحث عن طريق إلى خارجه؟
هذه، بالنسبة لي، ليست تفاصيل خدمية هامشية أمام السياسة؛ هذه هي السياسة نفسها، فما قيمة أي مشروع كبير إذا أصبح الإنسان صغيرًا داخله؟ وما قيمة الانتصارات إذا لم يشعر بها الذين دفعوا ثمنها؟ وما معنى الحديث عن المستقبل إذا أصبح الحاضر عبئًا لا يستطيع الناس احتماله؟
أخشى أن نكون قد تعاملنا طويلًا مع صبر الناس باعتباره موردًا لا ينفد، لكنه ينفد، وإن لم يظهر ذلك في الشوارع أو في الأصوات المرتفعة، الإنسان بعد الخيبة الأولى يغضب، وبعد الثانية يحتج، وبعد الثالثة ربما يحاول، لكن تكرار الخيبات قد يقوده إلى مرحلة أكثر خطورة: ألا ينتظر شيئًا أصلًا.
لهذا فإنني أخشى صمت الناس أكثر من غضبهم، فالغاضب لا يزال يؤمن بأن هناك شيئًا يمكن إصلاحه، ولذلك يرفع صوته، أما الإنسان الذي فقد ثقته في قدرة الأشياء على التغير، فقد لا يجادل، ولا يعترض، ولا ينتظر تفسيرًا، ينسحب بصمت إلى حياته الخاصة، أو يبحث عن مستقبله بعيدًا، ويترك السياسة لأصحابها.
حين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لن تكون المشكلة في انقطاع خدمة أو تعثر مؤسسة أو أزمة اقتصادية عابرة، بل في انقطاع شيء أخطر بكثير هي الثقة بين الإنسان ووطنه، وبين المواطن ومن يتحدثون باسمه.
لا أكتب هذه الكلمات من موقع الخصومة مع أحد، ولا أوزع بها صكوك الوطنية أو الخيانة على أحد، إنها مجرد قراءة شخصية لمشهد أراه أكثر تعقيدًا وإيلامًا من أن نختصره في شعارات متقابلة، وربما نحتاج جميعًا، قبل أن نسأل الناس عن مقدار صبرهم وولائهم، إلى أن نسأل أنفسنا ماذا قدمنا لهم مقابل كل هذه السنوات التي انتظروا فيها.
الوطن لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الخطب، وربما لا يحتاج اليوم إلى وعد جديد بقدر حاجته إلى استعادة ثقة قديمة تتآكل بصمت.
أكررها كرأي شخصي يحتمل الصواب والخطأ، لا أخشى على الأوطان حين يختلف أبناؤها أو يغضبون أو يرفعون أصواتهم؛ أخشى عليها حين يتوقفون عن السؤال، وحين يصبح الصمت آخر ما بقي لهم بعد أن استهلك الانتظار كل الكلمات، لأن الناس حين يغضبون، فإنهم ما يزالون ينتظرون شيئًا من السياسة، أما حين يصمتون تمامًا، فقد يكون السؤال الحقيقي: هل بقي لديهم شيء ينتظرونه أصلًا؟