آخر تحديث :الأربعاء - 03 يونيو 2026 - 01:50 ص

قصص تفاعلية


الأردن يرسم تاريخه بحجارة الفسيفساء وفنها

الأحد - 13 يوليو 2025 - 01:47 م بتوقيت عدن

الأردن يرسم تاريخه بحجارة الفسيفساء وفنها

العين الثالثة/ متابعات

منذ تأسيس الأردن الحديث، شكّلت الفسيفساء جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية والتاريخية، وحظيت باهتمام خاص لتتحول مع مرور الزمن إلى إرث حضاري راسخ، وتتوّج مدينة مأدبا هذا الإرث بكونها العاصمة التاريخية لفن الفسيفساء في الشرق الأوسط، حيث تجتمع فيها أصالة التاريخ وروح الحرفة والإبداع المعماري.

وتشير الأرقام الموثقة التي حصلت عليها وكالة الأنباء الأردنية (بترا) من مديرية آثار مأدبا إلى أنَّ قصبة مأدبا فقط تحتوي على 1600 متر مربع من الفسيفساء الجميلة المتقنة والفريدة من نوعها، واستطاع الأردن حمايتها وتوثيقها كإرث تاريخي مرتبط بوجود الأردن على مر التاريخ.

وقال أستاذ علم الآثار والتراث في الجامعة الهاشمية محمد وهيب، إن فن الفسيفساء في الأردن يُعدّ أحد المكونات الأساسية للسردية الوطنية التي تفتخر بها المملكة منذ نشأتها، مشيرًا إلى أن أقدم أرضية فسيفسائية في الأردن اكتُشفت في بلدة مكاور، وتعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، وقد صنعها فنان أردني باستخدام حجارة محلية باللونين الأبيض والأسود، ما يعكس عمق ارتباط الحرفة ببيئة المكان.

وأضاف، أن هذا الفن تطور بشكل ملحوظ عبر العصور، حيث بدأ بتزيين الأرضيات، ثم توسع ليشمل الجدران والأسقف، وبلغ ذروته في القرنين السادس والسابع الميلاديين، خاصة مع اكتشاف كنيسة الخارطة في مأدبا التي تُعدّ من أقدم الخرائط المصورة في العالم باستخدام الفسيفساء، وكنيسة القديس إستفانوس في أم الرصاص التي وصفها الخبراء العالميون بأنها من أجمل لوحات الفسيفساء في التاريخ، ليس فقط من حيث المساحة بل من حيث التفاصيل الفنية التي جسدت مدنًا ومناظر طبيعية وحياة يومية بدقة لافتة.

وبيّن وهيب، أن أكثر من 400 أرضية فسيفسائية مكتشفة في محافظات الأردن، مشيرًا إلى أن الحرفيين الأوائل في مأدبا، وعلى رأسهم المعلم “سلمانوس” في القرن السادس الميلادي، أسسوا تقاليد فنية عريقة، فكان سلمانوس يوقّع أعماله ويُدير مدرسة لتعليم فن الفسيفساء، وهو ما يُظهر مستوى التقدير الذي حظي به هذا الفن آنذاك، ويبرهن على أن صناعة الفسيفساء في الأردن لم تكن مجرد حرفة بل ثقافة متكاملة انتقلت عبر الأجيال.

وفي امتداد حيّ لهذا الإرث، أبدع أبناء مأدبا المعاصرون بصنع أكبر لوحة فسيفساء ملونة يدوية في العالم، بلغت مساحتها 180 مترًا مربعًا، لتُسجَّل كإنجاز أردني جديد يؤكد أن مأدبا لا تزال مركزًا حيًا لصناعة الفسيفساء على مستوى العالم، يجمع بين عبق التاريخ وحداثة الإنجاز، ويُجسد روح الانتماء لهذا الفن الذي أصبح رمزًا للهوية ومصدر فخر وطني.

من جانبه، قال عميد معهد فن الفسيفساء والترميم في مأدبا أحمد العمايرة، إن المعهد يُعدّ المؤسسة الأكاديمية الوحيدة من نوعها في منطقة الشرق الأوسط التي تمنح درجة الدبلوم في فن ترميم وصناعة الفسيفساء، مؤكدًا أن البرنامج الأكاديمي الذي يقدمه المعهد بُني على أسس علمية دقيقة، ويجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي الميداني بإشراف نخبة من الخبراء المحليين الدوليين.

وبيّن العمايرة أن المعهد تأسس عام 2007 نتيجة تعاون مشترك بين وزارة السياحة والآثار الأردنية، ودائرة الآثار العامة، والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، والتعاون التنموي الإيطالي، بهدف إعداد كوادر فنية مؤهلة ومتخصصة في أعمال ترميم الفسيفساء وتشكيل الحجر.

وأوضح العمايرة أن المعهد حصل على الاعتمادين العام والخاص من مجلس التعليم العالي، ويقدم برنامج دبلوم يمتد لسنتين، يُمكّن الطلبة من دراسة مفاهيم علمية متقدمة في الترميم والإنتاج الفني، بالإضافة إلى تنفيذ مشاريع عملية ضمن مشاغل المعهد وفي مواقع أثرية فعلية، ما يعزز من مهارات الطلبة ويؤهلهم للحفاظ على التراث والترميم المعماري والفني.

وأكد رئيس قسم الترميم في معهد الفسيفساء والترميم في مأدبا، الخبير الدولي مشهور الطفيحات، أن مدينة مأدبا تُعدّ مدينة الفسيفساء بامتياز، نظرًا إلى احتوائها على مئات الأمتار من الفسيفساء التي تعود إلى الفترة البيزنطية.

وأوضح الطفيحات وجود العديد من الكنائس، إضافة إلى كاتدرائية (مجمع كنائسي) وأرضيات فسيفسائية في بعض المنازل من تلك الحقبة.

وأشار الطفيحات إلى أن موقع مأدبا بالقرب من مدينة القدس ساهم في تعزيز أهميتها خلال العصر البيزنطي، حيث تميزت الأرضيات الفسيفسائية بسردها قصصًا متعددة تعكس مظاهر الحياة اليومية في تلك الفترة. ولفت إلى أن كنيسة “سان جورج” تحتوي على خارطة فسيفسائية فريدة من نوعها عالميًا، تمثل مخططًا يوضح الأماكن الدينية المهمة في الأردن وفلسطين وسيناء في مصر، وربما امتدت إلى مناطق جغرافية أخرى فقدت مع مرور الزمن.

كما أكد الطفيحات أن معهد فن الفسيفساء والترميم يتحمل مسؤولية ترميم وصيانة كافة الأرضيات الفسيفسائية في مأدبا والأردن، مستخدمًا أحدث تقنيات الترميم والحفاظ عليها. كما نوّه إلى أن مدينة مأدبا حصلت عام 2018 على المركز الأول عالميًا في مجال الفسيفساء الحجرية وترميمها والمحافظة عليها.

شاهد أيضًا

انهيار الكهرباء يشعل الجدل.. حكومة بلا قرار ومحافظ بلا صلاحي ...

الثلاثاء/02/يونيو/2026 - 04:04 م

اعتبر الكاتب والناشط عبدالله سعيد القروة أن أزمة الكهرباء المتفاقمة في العاصمة عدن تحولت من مشكلة خدمية إلى أزمة سياسية تكشف، بحسب وصفه، حجم التخبط وت


الميسري خارج المشهد مجدداً.. رحلة عزاء الرئيس هادي تنتهي بمف ...

السبت/30/مايو/2026 - 02:54 ص

أثار فشل الوزير الأسبق أحمد الميسري في الوصول إلى المملكة العربية السعودية للمشاركة في مراسم العزاء بوفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي موجة واسعة م


وفاة هادي بين واجب العزاء ومزايدات السياسة.. والشارع العدني ...

السبت/30/مايو/2026 - 02:21 ص

أثارت تصريحات محافظ العاصمة عدن، عبدالرحمن شيخ، التي أشاد فيها بالرئيس الراحل عبدربه منصور هادي وأعلن تأييده لدعوات الاعتذار له، موجة واسعة من التعليق


تشييع بلا علم.. أسرة الرئيس هادي ترفض لفّ جثمانه بعلم اليمن ...

السبت/30/مايو/2026 - 02:00 ص

في تطور لافت يعكس حجم التوتر والاحتقان السياسي، كشفت مصادر مطلعة حضرت مراسم تشييع جثمان الرئيس الراحل المشير عبد ربه منصور هادي أن أبناءه وأفراد أسرته