آخر تحديث :السبت - 04 يوليو 2026 - 12:02 م

منوعات


بعد «فابل»... الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف القوة والتحالف مع أميركا

السبت - 04 يوليو 2026 - 11:05 ص بتوقيت عدن

بعد «فابل»... الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف القوة والتحالف مع أميركا

العين الثالثة/ متابعات

لم يكن قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع القيود عن نموذج الذكاء الاصطناعي «فابل 5» التابع لشركة «أنثروبيك» مجرد تراجع تقني عن حظر استمر أسابيع، بل كشف عن لحظة انتقال كبرى في علاقة الحكومات بالذكاء الاصطناعي.

فالنماذج الأكثر تقدماً لم تعد تُعامل بوصفها منتجات تجارية عادية، وإنما بوصفها أصولاً استراتيجية تشبه الرقائق المتطورة والطاقة والتكنولوجيا العسكرية.


وبينما عاد «فابل» إلى المستخدمين، بقي نموذج «ميثوس 5» الأكثر حساسية متاحاً بصورة انتقائية لمؤسسات توافق عليها الحكومة الأميركية، بالتوازي مع إطلاق محدود لنموذج «جي بي تي-5.6» من «أوبن إيه آي». وهكذا انتهى الحظر المؤقت، لكن المعركة الأوسع حول من يملك حق تشغيل «العقل الاصطناعي» المتقدم، ومن يقرر مستخدميه وحدوده، بدأت فعلياً.

* ترخيص بلا قانون
أظهرت أزمة «فابل» أن الولايات المتحدة تتجه عملياً إلى بناء نظام ترخيص للنماذج الحدودية، حتى وإن ظل هذا النظام طوعياً وغير مكتمل قانونياً. فقد فرضت وزارة التجارة في 12 يونيو (حزيران) قيوداً على وصول الأجانب إلى نماذج «أنثروبيك»، بعد اكتشاف إمكانية تجاوز بعض ضوابطها واستخدامها في العثور على ثغرات برمجية وربما استغلالها. ومع تعذر التحقق الفوري من جنسية كل مستخدم، أوقفت الشركة النموذجين للجميع، قبل أن تسمح واشنطن بإعادتهما بعد تشديد الحواجز الأمنية والتزام تعاون أوسع مع الحكومة.

ويرى محللون أن هذه السابقة تغير العلاقة بين الدولة والشركات. فبدلاً من أن تطور الشركة نموذجاً ثم تطرحه وفق تقديرها التجاري، يصبح الإطلاق خاضعاً لمراجعة أمنية سابقة، وقدرة حكومية على تعطيل الوصول أو تحديد «العملاء الموثوقين».

والأمر لا يقتصر على «أنثروبيك»؛ إذ أخّرت «أوبن إيه آي» الإطلاق العام لـ«جي بي تي-5.6» بطلب من الإدارة، وبدأت بإتاحته لشركاء محدودين.

بذلك يتشكل واقع جديد: النموذج يصبح «آمناً» ليس فقط عندما تجتاز الشركة اختبارات السلامة، بل عندما توافق عليه الدولة.

* سباق مزدوج
المعضلة أن واشنطن تحاول تحقيق هدفين متعارضين: منع استخدام النماذج في الهجمات السيبرانية أو الأغراض العسكرية الخطرة، ومنع الصين في الوقت نفسه من تقليص الفجوة التكنولوجية.

والتشدد المفرط قد يبطئ الشركات الأميركية، ويدفع الباحثين والعملاء إلى بدائل أجنبية، ويشجع تطوير نماذج مفتوحة خارج نطاق السيطرة الأميركية. أما التساهل، فقد يمنح جهات معادية أدوات قادرة على اكتشاف ثغرات في البنى التحتية أو أتمتة هجمات معقدة.

لهذا تبدو السياسة الأميركية متقلبة: إدارة بدأت بخطاب مناهض للقيود التنظيمية وجدت نفسها تبتكر آلية رقابة سريعة، غامضة وقابلة للتدخل السياسي. لكن هذا التناقض ليس عارضاً؛ إنه نتيجة طبيعية لوصول الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة تصبح فيها زيادة القدرة مكسباً اقتصادياً وخطراً أمنياً في آن واحد.

والحل المرجح، حسب خبراء، لن يكون حظراً شاملاً أو حرية مطلقة، بل نظاماً متعدد الدرجات: إتاحة عامة للنماذج الأقل خطورة، ووصول مقيد للقدرات السيبرانية والبيولوجية الحساسة، ومراجعة حكومية مسبقة للنماذج الأعلى قدرة. وقد وضع الأمر التنفيذي الذي وقّعه الرئيس دونالد ترمب في 2 يونيو أساساً لإطار طوعي يتيح للحكومة فحص بعض النماذج الحدودية قبل توزيعها الأوسع.

* الحليف الموثوق
الأثر الأبعد يظهر في السياسة الخارجية. وحسب «أكسيوس» فإدارة ترمب تعيد تعريف الحليف وفق مساهمته في التفوق الأميركي بالذكاء الاصطناعي، لا وفق القيم المشتركة أو المعاهدات الأمنية وحدها. الرقائق، ومراكز البيانات، والطاقة، والمعادن الحرجة، وسلاسل التوريد، والوصول إلى النماذج الحدودية تتحول أوراق تفاوض. ويمكن لدولة أن تكون شريكاً عسكرياً لواشنطن، لكنها لا تحصل تلقائياً على أقوى أدواتها الرقمية.

هذا المنطق يضع أوروبا خصوصاً أمام اختبار صعب. فهي شريك ضروري في تأمين سلاسل الإمداد، لكنها في نظر البيت الأبيض تبالغ في التنظيم ولا تبني صناعة منافسة بالسرعة المطلوبة. لذلك قد تربط واشنطن الوصول إلى النماذج المتقدمة بمدى توافق الشريك مع المعايير الأميركية في الأمن السيبراني وضوابط التصدير، وباستثماره في الطاقة والحوسبة، وربما بموقفه من الصين. وتصبح عبارة «حليف موثوق» تصنيفاً تقنياً قابلاً للتجزئة: ثقة في ملف، وحجب في ملف آخر.

* سيادة الخوارزمية
ما بعد «فابل» سيدفع الحكومات إلى تبني مفهوم «السيادة الخوارزمية». فالدول التي لا تملك نماذج قوية، أو رقائق، أو قدرة حوسبية وطاقة كافية، ستجد نفسها معتمدة على قرارات الترخيص الأميركية وشروط الشركات. وقد تستجيب أوروبا واليابان والهند ودول الخليج بزيادة الاستثمار في البنية التحتية المحلية، وبناء نماذج سيادية، وتنويع الموردين، ووضع ترتيبات متبادلة للوصول إلى التقنيات الحساسة.

ويرى محللون أن الانقسام إلى كتل تكنولوجية يحمل تكلفة كبيرة. فكلما ضاقت دائرة الوصول، تقل فرص التعاون الدولي في إصلاح الثغرات ومواجهة الاستخدامات الإجرامية، ويزداد الحافز لظهور أسواق موازية ونماذج بلا ضوابط. ويقدم مشروع «غلاسوينغ»، الذي تسعى «أنثروبيك» عبره إلى توسيع الاستخدام الدفاعي لـ«ميثوس» لدى نحو 150 مؤسسة في أكثر من 15 دولة، نموذجاً وسطاً: وصول انتقائي، ومعايير مشتركة، ومشاركة للمعلومات، بدلاً من النشر المفتوح أو الاحتكار الكامل.

لقد أثبتت أزمة «فابل» أن الحكومات لن تقف خارج مختبرات الذكاء الاصطناعي بعد الآن، وأن الشركات لن تنفرد بتحديد من يستخدم أقوى نماذجها. وفي عصر ترمب، ستصبح قيادة الذكاء الاصطناعي معياراً للقوة، والوصول إليه امتيازاً سياسياً، ودعم التفوق الأميركي جزءاً من تعريف التحالف نفسه. أما الدول التي لا تبني قدراتها، فستنتقل من استيراد التكنولوجيا إلى استئجار مستقبلها بشروط الآخرين.

شاهد أيضًا

القرارات الجمهورية المفقودة.. لماذا تُخفى بعض قرارات الرئاسة ...

الجمعة/03/يوليو/2026 - 11:20 م

أثارت تساؤلات متداولة بشأن تسلسل القرارات الجمهورية الصادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي موجة من النقاش حول مستوى الشفافية في عمل مؤسسة ا


من استهداف الصورة إلى اقتلاع المنصة... ماذا يخيفهم في ساحة ا ...

الثلاثاء/23/يونيو/2026 - 04:00 م

في الوقت الذي تغرق فيه العاصمة عدن تحت وطأة الانهيار الخدمي والاقتصادي، وتتصاعد معاناة المواطنين مع انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وتأخر الرواتب، اتج


سقوط نحو ثمانية أطفال بين شهيد وجريح إثر انفجار مقدوف من مخل ...

الإثنين/22/يونيو/2026 - 05:29 م

سقط نحو ثمانية أطفال بين شهيد وجريح، مساء اليوم، إثر انفجار جسم متفجر من مخلفات مليشيا الحوثي الإرهابية، في قرية الريبي شمال منطقة حجر بمحافظة الضالع.


ميزانية القصور في زمن المجاعة.. 138 مليار ريال لسلطة غائبة و ...

الإثنين/22/يونيو/2026 - 02:25 م

في الوقت الذي يقف فيه ملايين اليمنيين أمام أبواب البنوك بحثاً عن رواتب متأخرة، ويعيش المواطن ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء، وتتصاعد أسعار الغذاء والد