في مشهد يعكس تصاعد التباينات داخل هرم السلطة، تتزايد المؤشرات على عمق الخلافات داخل مجلس القيادة الرئاسي، وسط تساؤلات متنامية حول مستقبل هذا الكيان وقدرته على الاستمرار في ظل إدارة توصف بالتفرد وتراجع واضح في وتيرة العمل المؤسسي.
فبعد مرور أشهر على بداية العام، لم يعقد المجلس سوى عدد محدود من الاجتماعات، في وقت تشهد فيه المناطق المحررة تطورات متسارعة على المستويين السياسي والاقتصادي، ما يطرح علامات استفهام حول فعالية المجلس وقدرته على مواكبة التحديات القائمة.
اجتماعات محدودة.. ومؤشرات مقلقة
بحسب ما رصدته العين الثالثة، فإن مجلس القيادة الرئاسي عقد ثلاثة اجتماعات فقط خلال ستة أشهر، وهو رقم يعكس حالة من الجمود غير المسبوق في عمل مؤسسة يفترض بها إدارة واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ البلاد.
اللافت أن هذه الاجتماعات لم تكن دورية أو منتظمة، بل جاءت متباعدة زمنياً، ومرتبطة في معظمها بملفات محددة، أبرزها التوافق على تغييرات حكومية، دون أن تتحول إلى منصة مستمرة لصناعة القرار أو إدارة الأزمات.
هذا التراجع في وتيرة الاجتماعات يُقرأ على نطاق واسع باعتباره انعكاساً مباشراً لوجود خلافات داخلية، تتعلق بطبيعة اتخاذ القرار وآلية إدارة الملفات الحساسة.
تفرد القرار.. جوهر الخلاف
تشير معطيات سياسية إلى أن أحد أبرز أسباب التوتر داخل المجلس يتمثل في اتهامات موجهة لرئيسه، رشاد العليمي، بالانفراد بالقرار، وتجاوز مبدأ التوافق الذي قام عليه تشكيل المجلس.
وتؤكد العين الثالثة أن هذه الاتهامات لم تعد محصورة في أروقة مغلقة، بل بدأت تأخذ طابعاً علنياً، سواء عبر تصريحات غير مباشرة، أو من خلال مواقف سياسية تعكس حالة عدم الرضا داخل بعض المكونات الرئيسية.
ويبدو أن هذا النهج في إدارة القرار ساهم في تعميق الفجوة بين أعضاء المجلس، خصوصاً في ظل وجود تباينات في الرؤى حول إدارة الملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
غيابات لافتة ورسائل سياسية
من بين المؤشرات التي لفتت انتباه المراقبين، غياب بعض أعضاء المجلس عن اجتماعات مهمة، وهو ما فُسّر باعتباره رسالة احتجاج غير مباشرة على طريقة إدارة المجلس.
وتشير العين الثالثة إلى أن هذه الغيابات لم تكن مجرد ظروف عابرة، بل تعكس حالة من التباعد السياسي، وربما عدم القبول بآلية اتخاذ القرار داخل المجلس، خاصة من قبل مكونات رئيسية تمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً مؤثراً.
بيانات احتجاج.. وتصاعد الاعتراض
التصعيد لم يقتصر على الغياب، بل امتد إلى صدور مواقف وبيانات سياسية تحمل انتقادات واضحة لأداء رئاسة المجلس، وتدعو إلى العودة لمبدأ التوافق والاحتكام إلى الأطر القانونية في إدارة الدولة.
هذه المواقف، وفق قراءة العين الثالثة، تعكس انتقال الخلاف من مرحلة “الهمس السياسي” إلى مستوى أكثر وضوحاً، ما ينذر بتعقيد المشهد في حال عدم احتواء هذه التباينات.
تكتلات داخلية، وإعادة تموضع
في ظل هذا الواقع، تتحدث تقارير عن تشكل تكتلات داخل المجلس، تضم عدداً من أعضائه، بهدف مواجهة ما يُوصف بتفرد القرار، والدفع نحو إعادة التوازن داخل المؤسسة.
ورغم عدم الإعلان الرسمي عن هذه التكتلات، إلا أن اللقاءات الثنائية والتحركات السياسية الأخيرة تعزز من فرضية وجود إعادة اصطفاف داخل المجلس، قد تُفضي إلى تغييرات في طبيعة العلاقة بين مكوناته.
دور إقليمي، ومحاولات احتواء
في موازاة ذلك، تبرز تحركات إقليمية تهدف إلى احتواء الخلافات، من خلال الدعوة إلى عقد اجتماعات موسعة لأعضاء المجلس، في محاولة لإعادة ضبط إيقاع العمل الداخلي، ومنع تفاقم الأزمة.
وترى العين الثالثة أن هذه التحركات تعكس إدراكاً إقليمياً لخطورة استمرار الخلافات داخل المجلس، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والخدمية التي تواجهها المناطق المحررة.
بين الخلافات والأزمة الاقتصادية
تتزامن هذه التطورات مع وضع اقتصادي وخدمي متدهور، يزيد من حدة الاحتقان الشعبي، ويضع المجلس أمام اختبار حقيقي في قدرته على إدارة الأزمات.
فغياب التنسيق الداخلي، واستمرار الخلافات، قد ينعكس سلباً على أداء الحكومة، ويُفاقم من معاناة المواطنين، في وقت تتطلب فيه المرحلة أعلى درجات الانسجام والتكامل بين مختلف مؤسسات الدولة.
مستقبل “الرئاسي” على المحك
في المحصلة، يبدو أن مجلس القيادة الرئاسي يقف أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن ينجح في تجاوز خلافاته الداخلية، واستعادة دوره كمؤسسة توافقية قادرة على إدارة المرحلة، أو أن يستمر في حالة التراجع، بما يهدد مستقبله السياسي.
وتؤكد العين الثالثة أن استمرار حالة التفرد في القرار، مقابل تصاعد التكتلات والاعتراضات، قد يقود إلى سيناريوهات أكثر تعقيداً، ما لم يتم احتواء الأزمة عبر إعادة بناء الثقة بين مكونات المجلس، والعودة إلى مبدأ الشراكة في إدارة الدولة.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع “الرئاسي” إعادة ترتيب بيته الداخلي، أم أن الخلافات المتراكمة ستدفع به نحو مرحلة أكثر هشاشة؟