آخر تحديث :الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - 03:39 ص

الشتائم العابرة للحدود

الأربعاء - 25 مارس 2026 - الساعة 11:17 م

علي محمد سيقلي
الكاتب: علي محمد سيقلي - ارشيف الكاتب



ليس من الصعب أن يكتب المرء جملة جارحة، ولا يحتاج الأمر إلى موهبة كبيرة كي يطلق الكاتب حكماً قاسياً على دولة كاملة أو شعب بأكمله. الصعوبة الحقيقية تكمن في أن تمتلك القدرة على النقد دون أن تفقد احترامك للناس، وأن تكتب بوعي يليق بقيمة الكلمة ومكانتها.
في الآونة الأخيرة عاد هذا النقاش إلى الواجهة بعد المقال الذي نشره الكاتب الكويتي فؤاد الهاشم بعنوان "كلب إلا ربع لكل... مواطن"، وهو عنوان وحده كافٍ ليفتح باب التساؤل حول الحدود الفاصلة بين النقد والإساءة. فحين تتحول اللغة إلى توصيف جارح يطال بلداً وشعباً بأكمله، فإن القضية لا تعود مجرد رأي عابر، بل تصبح نموذجاً واضحاً لما يمكن أن يصل إليه هوس الظهور حين يختلط بقلم كان يفترض أن يكون أكثر اتزاناً.
الكاتب المحترف لا يحتاج إلى هذه اللغة كي يثبت حضوره. فالقلم الذي يمتلك فكرة قوية يستطيع أن ينتقد سياسات، أو يناقش أخطاء، أو يختلف مع دول وأنظمة، دون أن يختزل الشعوب في أوصاف مهينة. النقد الحقيقي لا يُبنى على الإهانة، بل على الحجة والمنطق.
المفارقة الأغرب ليست في المقال نفسه فقط، بل في موجة الاصطفاف التي تظهر عادة بعد مثل هذه الكتابات. فجأة يتشكل معسكر للدفاع عن الكاتب، ليس دفاعاً عن فكرة عميقة أو طرح فكري مهم، بل دفاعاً عن تجاوز واضح. وهنا يبرز السؤال الأهم: متى أصبح الانتقاص من الشعوب موقفاً فكرياً يستحق هذا الحماس؟
الحقيقة أن الشعوب لا تُختصر في مقال، ولا تُقاس بمزاج كاتب في لحظة اندفاع. والكاتب الذي يدرك قيمة الكلمة يعرف أن تأثيرها لا يتوقف عند لحظة النشر، بل يمتد ليشكّل صورته المهنية والأخلاقية أمام القراء.
وهنا تكمن الخلاصة:
ليست المشكلة في أن يختلف الكاتب مع دولة أو ينتقد سياساتها، فهذا حق مشروع بل جزء من وظيفة الصحافة. المشكلة تبدأ حين يتخلى القلم عن ميزانه الأخلاقي، ويتحول من أداة وعي إلى وسيلة إساءة. عندها لا يكون الكاتب قد كسر القيود الإجتماعية والأخلاقية كما يتخيل البعض، بل يكون قد كسر أول قاعدة في مهنة الكتابة: احترام الإنسان.
فالكاتب الكبير يُعرف من طريقته في الاختلاف، لا من حجم الكلمات القاسية التي يطلقها. أما الشهرة التي تُبنى على إهانة الشعوب، فهي غالباً لا تعيش طويلاً، لأنها ببساطة تقوم على أرض هشة لا تصمد أمام ذاكرة القرّاء ولا أمام ميزان التاريخ.
وفي النهاية، تبقى الكلمة امتحاناً دائماً لصاحبها، إما أن ترفعه لأنها كُتبت بضمير، أو تكشفه لأنها كُتبت بلا مسؤولية.




شاهد أيضًا

هل يواجه العليمي والعقيلي أزمة قيادة أم سيناريو جديداً لخسار ...

السبت/08/أغسطس/2026 - 07:15 ص

لم تحتج معسكرات قوات الطوارئ الشمالية، وفق الروايات المتداولة، إلى معركة برية طويلة حتى تدخل في حالة من الاضطراب؛ فهجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة استهد


جدل واسع حول قرارات العليمي العسكرية.. اتهامات بإعادة تدوير ...

الخميس/06/أغسطس/2026 - 12:20 ص

أثارت القرارات الجمهورية الأخيرة الصادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، والخاصة بإجراء تغييرات وترقيات في عدد من المناصب العسكرية والأمني


أحواض الملح في عدن.. مشروع إنقاذ يصطدم بقرارات الإيقاف.. من ...

الثلاثاء/04/أغسطس/2026 - 04:20 ص

في مدينة تعاني من تراجع الخدمات وتآكل الموارد العامة، تتحول أحواض الملح التابعة للمؤسسة الاقتصادية اليمنية في العاصمة عدن إلى ساحة صراع تتجاوز مجرد مش


محافظ شبوة يمتدح انضباط مصلحة الجوازات ويؤكد استمرار دعم الم ...

الثلاثاء/21/يوليو/2026 - 10:15 م

أشاد محافظ شبوة، الشيخ عوض بن الوزير، بالمستوى المتقدم والانضباط الإداري الذي يشهده فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية بالمحافظة، مؤكداً أنه يقدم أنم