في تطور لافت يعكس حجم التعقيدات داخل بنية السلطة القائمة، فجّر خطاب صادر عن عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت (الخنبشي) جدلاً واسعاً، بعد أن حمل لهجة تصعيدية غير معهودة، وفتح ملفات حساسة تتعلق بإدارة الموارد والعلاقة بين المركز والمحافظات.
ويأتي هذا الخطاب في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتصاعد التحديات الاقتصادية والخدمية، ما يجعل أي توتر داخل مكونات السلطة مؤشراً إضافياً على عمق الأزمة التي تعاني منها منظومة “الشرعية” في إدارة الدولة ومؤسساتها.
خطاب يتجاوز الإطار الإداري
بحسب ما رصدته العين الثالثة، فإن الكلمة التي ألقاها الخنبشي خلال اجتماع رسمي في ساحل حضرموت لم تقتصر على طرح ملاحظات خدمية أو إدارية، بل اتجهت نحو طرح سياسي مباشر، حمل انتقادات صريحة لآلية إدارة الدولة، ولامس حدود التلويح بخيارات تصعيدية في أكثر من ملف.
أبرز ما ورد في الخطاب كان الحديث عن ما وصفه بـ”تحوّل المركزية” من صنعاء إلى عدن، في إشارة إلى استمرار نمط الإدارة المركزية، وإن اختلفت الجغرافيا، وهو توصيف يعكس حالة استياء متنامية في بعض المحافظات من آلية اتخاذ القرار وتوزيع الصلاحيات.
كما استند الخنبشي إلى نماذج عملية لتدعيم طرحه، منها اضطرار رجال الأعمال في حضرموت لإنجاز معاملاتهم في عدن، إلى جانب التأخر في تحويل حصص المحافظات من الإيرادات المركزية، وهو ما اعتبره دليلاً على اختلال التوازن في إدارة الموارد.
ملف النفط والكهرباء.. جوهر الأزمة
التصعيد الأبرز في الخطاب تمحور حول ملفي النفط والكهرباء، وهما من أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على الاستقرار الاقتصادي والخدمي.
حيث أبدى محافظ حضرموت اعتراضاً واضحاً على آلية توزيع المشتقات النفطية، خاصة في ظل اعتماد عدد من المحافظات على الوقود المنتج من حقول حضرموت، وهو ما قال إنه انعكس سلباً على حصة المحافظة واحتياجاتها المحلية.
وتشير المعطيات التي تابعتها العين الثالثة إلى أن حجم الوقود المخصص لكهرباء حضرموت شهد تراجعاً ملحوظاً، بالتزامن مع زيادة الكميات المنقولة إلى محافظات أخرى، الأمر الذي أثار تساؤلات حول أولويات التوزيع ومعايير العدالة في تخصيص الموارد.
وفي سياق أكثر حدة، لوّح الخنبشي بإمكانية إيقاف إمدادات النفط إلى عدن، ما لم يتم التوصل إلى آلية واضحة تضمن حصول حضرموت على حقوقها المالية، سواء عبر نسبة من العائدات أو مقابل مالي مباشر عن الكميات المنقولة.
الإيرادات والسيادة المالية
امتد الخطاب ليشمل ملف الإيرادات، حيث أبدى المحافظ رفضاً لتوريد عائدات الكهرباء إلى الحسابات المركزية دون وجود التزامات مقابلة تجاه حضرموت، معتبراً أن استمرار هذا النهج يكرّس اختلال العلاقة بين المركز والمحافظات.
هذا الطرح يعكس، وفق قراءة العين الثالثة، تحوّلاً في طبيعة الخطاب من مجرد مطالب خدمية إلى تبنّي رؤية أقرب إلى “الاستقلال المالي الجزئي”، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين السلطة المركزية والسلطات المحلية في المحافظات.
دلالات سياسية عميقة
اللافت في هذا المشهد أن الخطاب صدر عن شخصية تشغل موقعاً في أعلى هرم السلطة، وهو ما يضفي عليه بعداً سياسياً يتجاوز كونه خلافاً إدارياً أو فنياً.
خروج هذا النوع من التصريحات إلى العلن يعكس، وفق مراقبين، وجود تباينات داخل مجلس القيادة الرئاسي نفسه، وربما يعكس أيضاً صراعاً مكتوماً حول الصلاحيات وإدارة الموارد، خاصة في المحافظات الغنية بالنفط.
وترى العين الثالثة أن توصيف العلاقة بين حضرموت وعدن في سياق “التصدير” أو “المقابل المالي” يحمل دلالات رمزية تتجاوز الاقتصاد، ليقترب من إعادة تعريف العلاقة السياسية داخل الدولة، وهو ما قد يعمّق حالة التشظي إذا لم تتم معالجته ضمن إطار وطني جامع.
بين المركز والأطراف.. أزمة بنيوية
تعيد هذه التطورات إلى الواجهة إشكالية قديمة متجددة في اليمن، تتمثل في طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، وكيفية توزيع السلطة والثروة بشكل عادل ومتوازن.
فبينما ترى بعض المحافظات أن مواردها لا تُدار بما يحقق مصالحها، تتمسك الحكومة بضرورة الحفاظ على مركزية القرار لضمان وحدة الدولة، وهو تناقض لم يتم حسمه حتى اليوم، بل يزداد تعقيداً مع كل أزمة جديدة.
إلى أين تتجه الأمور؟
في ظل هذا التصعيد، تبدو الخيارات مفتوحة على عدة سيناريوهات، تبدأ بمحاولات احتواء الخلاف عبر التفاهمات السياسية، ولا تنتهي عند احتمالات اتساع الفجوة بين مكونات السلطة إذا استمر الخطاب التصعيدي دون معالجة.
وتؤكد العين الثالثة أن ما جرى لا يمكن قراءته كحادثة معزولة، بل كجزء من مشهد أوسع يعكس هشاشة البنية المؤسسية، وغياب رؤية واضحة لإدارة الموارد والعلاقة بين المركز والمحافظات.
وفي وقت تحتاج فيه البلاد إلى أعلى درجات التماسك لمواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية، يبدو أن تصاعد الخلافات الداخلية قد يضيف عبئاً جديداً على واقع معقد أصلاً، ما يجعل من الضروري إعادة النظر في آليات الإدارة والحكم، بما يحقق التوازن ويمنع الانزلاق نحو مزيد من الانقسام.