آخر تحديث :الجمعة - 02 أكتوبر 2026 - 03:36 ص

حين يتوحد المختلفون شمالًا أمام القضية الجنوبية

الجمعة - 02 أكتوبر 2026 - الساعة 03:25 ص

العقيد محسن ناجي
الكاتب: العقيد محسن ناجي - ارشيف الكاتب


من المفارقات اللافتة في المشهد اليمني أن القوى السياسية والاجتماعية في الشمال تعيش انقسامات عميقة ومتعددة حول قضايا السلطة والدولة والهوية وشكل النظام ومستقبل البلاد، إلا أن هذه الخلافات تتراجع بصورة لافتة عندما يتعلق الأمر بالقضية الجنوبية وبمستقبل الجنوب، حيث تلتقي مواقف أطراف متصارعة في رفض المطالب الجنوبية بإقامة دولة مستقلة.
فالخلافات بين الشرعية والحوثيين، على سبيل المثال، لم تمنع وجود مساحة مشتركة في الموقف من القضية الجنوبية؛ إذ إن الطرفين، رغم الصراع الدموي الممتد منذ سنوات، لا يزالان يتعاملان مع الجنوب في إطار الوحدة اليمنية، ويرفضان ـ بدرجات مختلفة ـ الانتقال إلى الاعتراف بحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي الذي أصبح شبه محسوم من الناحية الفعلية ولم يعد الجنوبيين يعولون كثيرا على الموقف الشمالي الذي لم يعد قادرا على تغير مسار الأحداث والتطورات التي شهدتها الساحة الجنوبية لصالح قيام الدولة الجنوبية ولصالح خلاص الجنوبيين من نظام الاحتلال الذي يعيش في أنفاسه الأخيرة ولم يتبقى له إلى حمل عصاه والرحيل عن الجنوب وبنفس الطريقة التي رحل بها الأستعمار البريطاني عن الجنوب عام 67م .
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف: كيف يمكن لقوى تختلف حول كل شيء تقريبًا أن تلتقي عندما يتعلق الأمر بالجنوب ؟.

إن القضية الجنوبية، في جوهرها، ليست مجرد خلاف إداري أو نزاع على السلطة، ولا يمكن اختزالها في صراع بين مكونات سياسية جنوبية. فهي قضية ارتبطت بتاريخ وهوية وكيان سياسي كان قائمًا قبل إعلان الوحدة في 22 مايو 1990. وقد كانت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية دولة ذات سيادة وعضوًا في الأمم المتحدة منذ عام 1967، قبل أن تتحد مع الجمهورية العربية اليمنية في دولة واحدة عام 1990.
وبالتالي، فإن النظر إلى الجنوب باعتباره مجرد «فرع» تابع لـ«أصل» يعكس جهل الشماليين المطبق بحقائق التاريخ والجغرافيا التي أرتكزت عليها الهوية الجنوبية منذو القدم ويتجاهل طبيعة التطور السياسي والتاريخي الذي شهدته هذه المنطقة، وما عرفته قديما وحديثا من كيانات وسلطنات ومشيخات، ثم انتقالها إلى دولة جنوبية موحدة عقب الاستقلال.

لقد دخل الجنوبيون الوحدة وهم يتطلعون إلى قيام دولة يمنية تقوم على الشراكة والندية والتكافؤ، لكن مسار الوحدة لم يستمر وفق تلك التطلعات والمبادئ والقيم التي أرست عليها الوحدة، وانتهى إلى حرب صيف 1994 وما ترتب عليها من تحولات سياسية وعسكرية عميقة، لتعود القضية الجنوبية إلى الواجهة بوصفها قضية سياسية تبحث عن تسوية عادلة لجذورها ونتائجها وبما يحفظ للجنوبيين حقهم الطبيعي في قيام دولتهم المستقلة التي لا ينبغي أن يكثر الجدال حولها إحتراما لإرادة الشعب الجنوبي وأستجابة لنضالاته وتضحياته التي قدمها في سبيل انتصار قضيته العادلة التي يتنكر لها الشماليين بمختلف ألوان طيفهم السياسي والحزبي والتنظيمي والقبلي بدون أي وجه حق.

والمفارقة الأكبر أن اليمنيين دفعوا خلال سنوات الصراع بين الحوثيين والقوى المناهضة لهم أثمانًا باهظة، ودخلت البلاد في أزمة إنسانية واقتصادية عميقة؛ وتؤكد الأمم المتحدة أن اليمن لا يزال يعيش واحدة من أشد الأزمات الإنسانية والتنموية في العالم بعد أكثر من عقد من الصراع.
ومع ذلك، لم يتحول هذا الصراع الطويل إلى توافق حقيقي حول كيفية معالجة جذور الأزمة اليمنية، ولا يزال مستقبل الدولة وشكلها السياسي من أكثر الملفات تعقيدًا.
ومن هنا فإن السؤال الجوهري لا ينبغي أن يكون: كيف نمنع الجنوبيين من المطالبة بدولتهم ؟ بل : كيف يمكن الوصول إلى تسوية سياسية تعالج جذور القضية الجنوبية وتحترم إرادة أبنائها وتحترم تضحياتهم، بدل الاستمرار في تجاهلها أو محاولة تجاوزها أو مواصلة عملية الإنكار للقضية الجنوبية التي لم تبارح العقل السياسي الشمالي الغارق في الصراعات المميتة والأعمال القتالية التي لم تتوقف يوما منذو قرابة عشرين عاما ؟.
فالقضايا السياسية لا تختفي بمجرد رفضها، والوقائع التاريخية لا تتغير بتكرار الخطاب السياسي ولا بتزييف التاريخ . وإذا كان اليمنيون يريدون إنهاء دوامة الحروب والصراعات، فإن معالجة القضية الجنوبية ينبغي أن تكون لها الأولية في الحل وأن تكون جزءًا أصيلًا من أي تسوية سياسية شاملة، لا ملفًا مؤجلًا إلى أجل غير مسمى.
فالسلام الحقيقي لا يقوم على فرض رؤية طرف على طرف آخر، وإنما يبدأ من الاعتراف بأن لكل قضية جذورًا، ولكل شعب حقًا في أن يُسمع صوته، وأن أي تسوية لا تعالج جذور الصراع ستظل مجرد هدنة بين أزمات قابلة للانفجار من جديد.




شاهد أيضًا

بعد الهجوم على محيط معسكر التحالف بعدن.. مصدر عسكري: لا ضحاي ...

الجمعة/02/أكتوبر/2026 - 03:36 ص

طمأن مصدر عسكري سكان العاصمة عدن، مؤكداً أن المعلومات الأولية المتوفرة حتى الآن تشير إلى عدم سقوط ضحايا أو تسجيل خسائر في الأسلحة والمعدات العسكرية. و


عاجل | السعودية تعلن اعتراض صاروخ باليستي أُطلق باتجاه خميس ...

الجمعة/02/أكتوبر/2026 - 03:30 ص

أعلنت السلطات السعودية اعتراض وتدمير صاروخ باليستي، قالت إنه أُطلق من مناطق خاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين باتجاه مدينة خميس مشيط. ولم ترد، حتى لحظة إعدا


قصف صاروخي ومسيّر يهز البريقة في عدن.. أنباء عن استهداف مواق ...

الجمعة/02/أكتوبر/2026 - 02:51 ص

هزّت انفجارات عنيفة مديرية البريقة في العاصمة عدن، فجر الجمعة، وسط أنباء عن هجوم صاروخي وبطائرات مسيّرة نُسب إلى مليشيا الحوثي واستهدف مواقع في المنطق


المعلا تدشّن تدريبًا نسائيًا على استخدام الذكاء الاصطناعي في ...

الإثنين/28/سبتمبر/2026 - 12:53 م

انطلقت اليوم الاثنين في مديرية المعلا بالعاصمة عدن، ورشة تدريبية تهدف إلى تمكين الكوادر النسائية من توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين العمل الإدا