آخر تحديث :السبت - 26 سبتمبر 2026 - 07:55 ص

الجنوب خارج زمن الانتظار.. حين يصبح تأجيل الحل جزءًا من الأزمة!

السبت - 26 سبتمبر 2026 - الساعة 07:55 ص

حسين القملي
الكاتب: حسين القملي - ارشيف الكاتب


بعد أكثر من ثلاثة عقود من التحولات والحروب والتسويات المؤقتة، لم تعد القضية الجنوبية بحاجة إلى مزيد من توصيف الماضي بقدر حاجتها إلى إجابة واضحة عن المستقبل، فقد تغيرت موازين القوة، وتبدلت التحالفات، وسقطت معادلات كانت تبدو ثابتة، بينما ظل الجنوب حاضرًا في قلب الأحداث وغائبًا عن التسوية النهائية التي تحدد موقعه السياسي.

منذ وحدة 1990 وحرب 1994، وصولًا إلى حرب 2015 وما أعقبها، لم تعد المسألة مجرد خلاف حول إدارة الدولة، بل تحولت إلى سؤال سياسي يتعلق بطبيعة العلاقة بين الشمال والجنوب وإمكانية استمرارها بالصورة التي عرفتها العقود الماضية، واليوم، بعد كل ما جرى، يصبح من الصعب التعامل مع الجنوب باعتباره ملفًا يمكن تأجيله إلى أن تنتهي بقية الأزمات اليمنية.

وهنا يأتي 26 سبتمبر في سياقه الطبيعي، مناسبة تاريخية تخص أبناء الشمال ومن حقهم الاحتفاء بها، مثلما للجنوب ذاكرته ومحطاته الوطنية الخاصة، فاحترام تاريخ الآخر لا يعني الذوبان فيه، والاختلاف حول المستقبل لا يستدعي خصومة بين الشعبين، فالمشكلة لم تكن يومًا في حق الناس بالاحتفاء بتاريخهم، بل في محاولة جعل التاريخ إجابة جاهزة عن أسئلة سياسية لم تعد حقائق اليوم تسمح بتجاهلها.

والسؤال الأكثر إلحاحًا هو، هل يبقى مستقبل الجنوب معلقًا حتى تُحسم معركة صنعاء؟ لا يمكن أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى وضع دائم، ولا أن يبقى مجتمع كامل في انتظار تسوية لا يعرف موعدها ولا مكانه منها، وفي الوقت نفسه، لا يستطيع الجنوب تجاهل ما يحدث شمالًا؛ فالأمن والجغرافيا والممرات البحرية والمصالح الاقتصادية تجعل استقرار الطرفين قضية مترابطة مهما اختلف شكل العلاقة السياسية بينهما.

لذلك، لا تناقض بين الدفاع عن الجنوب والمساهمة في مواجهة الأخطار التي تهدد المنطقة، وبين المطالبة في الوقت ذاته بحل سياسي لقضيته، فالمشاركة في الحرب لا ينبغي أن تعني تعليق المستقبل، والتضحيات التي تُدفع في الميدان لا ينبغي أن تنتهي كل مرة عند نقطة البداية.

لكن المسؤولية تقع أيضًا على القوى الجنوبية نفسها، فالمظلومية، مهما كانت عميقة، تفسر القضية لكنها لا تبني الدولة، وإذا كان استعادة الدولة يمثل هدفًا لقوى جنوبية واسعة، فإن تحويله من شعار إلى مشروع يحتاج إلى توافق داخلي، ومؤسسات، ورؤية للحكم والاقتصاد والأمن والعلاقات الخارجية، ومساحة سياسية تتسع للاختلاف، فالانتقال من القضية إلى الدولة يبدأ عندما يصبح المشروع أقوى من الأشخاص والخلافات.

في المقابل، فإن أي تسوية يمنية تؤجل السؤال الجنوبي إلى "ما بعد صنعاء" تخاطر بإعادة إنتاج الأزمة، فالسلام ليس إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولا ترميم المعادلات التي أنتجت الصراع، السلام الحقيقي يبدأ بالاعتراف بما غيّرته العقود الماضية، ثم البحث عن صيغة سياسية قابلة للحياة بدل محاولة استعادة واقع تجاوزه الزمن.

لا يعني ذلك بناء عداوة مع الشمال، ستبقى الجغرافيا، وستبقى المصالح والتجارة والأمن والجوار، مهما كان شكل المستقبل، والتحدي ليس في كيفية الانفصال عن المصالح المشتركة، بل في كيفية تنظيمها ضمن علاقة لا يشعر فيها طرف أنه تابع للآخر، ولا يحتاج فيها أحد إلى إخضاع الآخر كي يشعر بالأمان.

بعد كل هذه السنوات، لم يعد السؤال، متى تنتهي الحرب؟ فقط، بل أي سلام سيأتي بعدها، وأين سيكون الجنوب منه؟ فالجنوب لا يحتاج إلى حرب جديدة لإثبات وجود قضيته، ولا إلى خصومة دائمة مع الشمال أو الإقليم، ما يحتاجه هو مشروع سياسي يعرف ماذا يريد، ويملك أدوات الوصول إليه، ويحفظ مصالحه دون إنكار مصالح الآخرين.

لقد طال زمن إدارة القضية بدل حلها، وعدن لا يمكن أن تبقى غرفة انتظار إلى الأبد، كما لا ينبغي أن يظل مستقبل الجنوب مؤجلًا حتى ينتهي الآخرون من تقرير مستقبلهم.




شاهد أيضًا

عاجل | انفجار يهز عدن.. أنباء عن استهداف معسكر في جعولة ...

الإثنين/21/سبتمبر/2026 - 03:33 ص

هزّ انفجار العاصمة عدن، فجر اليوم، وسط تداول معلومات أولية تفيد بأن الانفجار ناتج عن قصف بطائرة مسيّرة حوثية استهدف أحد المعسكرات في منطقة جعولة. وحتى


حادثة صادمة في مدرسة بكريتر.. غموض يحيط بدخول امرأة إلى الحم ...

السبت/19/سبتمبر/2026 - 01:35 م

أثارت واقعة تعرض طفلة لقص شعرها داخل إحدى مدارس مديرية كريتر في العاصمة عدن حالة من الاستياء والتساؤلات، بعد دخول امرأة إلى المدرسة وتمكنها، وفق الروا


بين حرب مكلفة وتسوية مُرّة.. السعودية أمام أصعب خياراتها مع ...

الثلاثاء/15/سبتمبر/2026 - 07:20 ص

تواجه السعودية واحدة من أعقد لحظات المواجهة مع جماعة الحوثي منذ سنوات، بعدما نقل التقدم العسكري للجماعة على الساحل الغربي وهجماتها المتصاعدة على الممل


حافلة متجهة إلى عدن تثير الشكوك.. ما كشفته الهواتف فتح ملفًا ...

الثلاثاء/15/سبتمبر/2026 - 07:00 ص

ضبطت الأجهزة الأمنية في مثلث العند بمديرية المسيمير في محافظة لحج مجموعة من المهاجرين الأفارقة أثناء توجههم نحو العاصمة عدن، وسط اشتباه بانخراط بعض أف