آخر تحديث :الجمعة - 24 أبريل 2026 - 04:00 م

قراءة في السيناريو السعودي المُعدّ للجنوب

الأربعاء - 07 يناير 2026 - الساعة 02:05 م

علي محمد سيقلي
الكاتب: علي محمد سيقلي - ارشيف الكاتب



ما يجري في الجنوب لم يعد قابلًا للفهم بوصفه أحداثًا متفرقة أو اختلالات عابرة في المشهد، بل هو – وفق تسلسل الوقائع وتزامنها – جزء من سيناريو مُعدّ بعناية، تتحرك فيه المملكة العربية السعودية من موقع الشريك السابق في التحالف إلى موقع اللاعب المنفرد، الباحث عن إعادة رسم النفوذ لا عن استقرار الشراكة.
أولًا: استهداف مراكز ثقل الانتقالي
المؤشرات الميدانية والسياسية تُظهر أن هناك مسعىً ممنهجًا لتصفية مراكز القوة العسكرية والأمنية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل بأسلوب التفريغ البطيء:
إضعاف المعسكرات.
سحب الغطاء.
ثم إعادة تسليم هذه المواقع لقوات “درع الوطن” المدعومة سعوديًا.
هذه الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن هدف أوسع، يتمثل في إعادة تشكيل الخارطة العسكرية في الجنوب بما يُقصي القوى المحلية الفاعلة، ويُبقي القرار الأمني والعسكري بيد أدوات مرتبطة بالرياض.
ثانيًا: عقدة الإمارات والجنوب
السعودية لم تُخفِ انزعاجها من الدور الإماراتي في الجنوب، ليس لأنه دور عسكري فقط، بل لأنه دور قائم على تمكين الجنوبيين من أرضهم وإدارتهم لأمنهم، من المهرة حتى عدن. هذا النموذج – مهما اختلفت التقييمات حوله – قدّم للجنوب مساحة قرار لم تعتدها المملكة، وأربك مشروعها القائم على الوصاية لا الشراكة.
ومن هنا يمكن فهم التحول السعودي لا بوصفه خلافًا تكتيكيًا مع الإمارات، بل صدامًا استراتيجيًا مع فكرة تمكين الجنوب نفسه.
ثالثًا: نهاية التحالف العربي… وبداية التصفية
تبدو السعودية وقد وصلت إلى قناعة بأن التحالف العربي استنفد أغراضه، وأن الإمارات – بخروجها الهادئ والمنظم – أطلقت عمليًا “رصاصة الرحمة” على هذا التحالف. لكن بدل أن تنسحب المملكة بوضوح، اختارت مسارًا أكثر تعقيدًا:
انسحاب غير مُعلن.
إبقاء الأدوات.
إدارة الصراع عن بُعد من الرياض.
في هذا السياق، يصبح ضرب قوات الانتقالي في المحافظات جزءًا من عملية تفكيك الدور الجنوبي، تمهيدًا لمرحلة “الإدارة بالريموت”، عبر أدوات المجلس الرئاسي، وعلى رأسها أدوات رشاد العليمي.
رابعًا: حضرموت… الفوضى المُدارة
ما يحدث في حضرموت لا يمكن اختزاله في احتجاجات أو تباينات داخلية. المشهد يشير إلى فوضى مُدارة بعناية:
استقدام أدوات.
خلط أوراق.
تعطيل الاستقرار التاريخي للمحافظة.
السعودية هنا ليست مراقبًا، بل فاعلًا رئيسيًا يملك اليد الطولى، يدير المشهد ببرود، ويختبر ردود الأفعال، في انتظار اللحظة المناسبة للانتقال من دور المُحرّك الخفي إلى دور “المنقذ”.
خامسًا: التمكين العسكري قبل الظهور السياسي
الهدف المرحلي يبدو واضحًا:
تمكين الأدوات العسكرية الموالية للسعودية في مفاصل الجنوب.
تفريغ القوى المحلية من قدرتها على التأثير.
خلق فراغ أمني مُتحكَّم به.
عندها فقط، ستظهر المملكة في حضرموت والمهرة بوجه المنقذ، تحت عناوين حفظ الأمن، حماية الإمدادات، أو مواجهة الفوضى، بينما الهدف الحقيقي هو وضع اليد على الثروات، لا على الاستقرار.
سادسًا: حضرموت والمهرة… شهية الجغرافيا والثروة
في ذروة هذا السيناريو، يصبح ضم حضرموت والمهرة – سياسيًا أو أمنيًا – أمرًا سهل التسويق:
أعذار أمنية.
ذرائع اقتصادية.
غطاء إقليمي ودولي فضفاض.
وفي المقابل، يُترك ما تبقى من الجنوب غارقًا في صراعات داخلية، بينما تحافظ المملكة على علاقات هادئة ومفتوحة مع الحوثي شمالًا، في مفارقة تكشف أن الصراع لم يكن يومًا مع المشروع الحوثي بقدر ما كان مع أي مشروع جنوبي مستقل.
خلاصة القراءة
نحن أمام تحول خطير في الاستراتيجية السعودية:
من شريك إلى وصي.
من داعم إلى مُفكك.
من تحالف إلى إدارة فوضى.
وإذا لم يُقرأ هذا السيناريو بوعي مبكر، فإن الجنوب قد يجد نفسه لا أمام خصم واضح، بل أمام مشروع ناعم لابتلاع الجغرافيا والثروة، تحت لافتة الإنقاذ.
وهنا، لا تكمن الخطورة في الفعل ذاته، بل في تأخر إدراكه.




شاهد أيضًا

عقد من الحسم: كيف أعاد تحرير ساحل حضرموت رسم خريطة الأمن وأن ...

الجمعة/24/أبريل/2026 - 03:13 م

في مثل هذا اليوم، تحل علينا الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من تنظيم القاعدة، والتي تمثل واحدة من أبرز المحطات المفصلية في تاريخ محافظة حضرموت الحدي


الجعدي يحذّر من خطاب المناطقية: حملات “تمزيقية” تستهدف الجبه ...

الإثنين/20/أبريل/2026 - 04:26 م

حذّر الأستاذ فضل الجعدي من تصاعد ما وصفه بحملات التحريض المناطقية، مؤكدًا أنها تُستخدم كأداة لضرب الجبهة الداخلية وتمزيق النسيج الاجتماعي في الجنوب. و


عدن تحت ضغط الغلاء.. أسعار ملتهبة وغضب شعبي يتصاعد ...

الإثنين/20/أبريل/2026 - 11:00 ص

تعيش العاصمة عدن على وقع موجة غلاء غير مسبوقة، انعكست بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، وأعادت ملف المعيشة إلى صدارة المشهد، وسط حالة من


“اقتصاد الظل النفطي” في اليمن.. شبكات موازية تُغذي الصراع وت ...

الإثنين/20/أبريل/2026 - 10:01 ص

كشف المحامي والناشط الحقوقي أكرم الشاطري عن ما وصفه بـ“اقتصاد الظل النفطي” في اليمن، مشيرًا إلى وجود شبكة مصالح معقدة تُدار خارج مؤسسات الدولة، وتُسهم