آخر تحديث :الأحد - 01 نوفمبر 2026 - 05:39 م

القبول بالآخر..

الجمعة - 06 مارس 2026 - الساعة 05:15 م

جسار مكاوي
الكاتب: جسار مكاوي - ارشيف الكاتب



ليست المجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تتشابه فيها الآراء، بل تلك التي تتسع فيها الصدور للاختلاف. فالتعدد في الرأي ليس عيبًا في البناء الاجتماعي أو السياسي، بل هو دليل عافية فكرية، وعلامة على وجود حياة عامة قادرة على النقاش والتصحيح والتطور. أما المجتمعات التي تضيق بالاختلاف، فهي في الغالب مجتمعات تعيش حالة خوف من الحقيقة، لأن الحقيقة لا تظهر إلا في فضاء الحوار.

إن القبول بالآخر لا يعني الذوبان فيه، ولا التخلي عن القناعات أو المبادئ، بل يعني الاعتراف بحقه في أن يكون مختلفًا. فالاختلاف سنة إنسانية وقانون اجتماعي لا يمكن إلغاؤه، وكل محاولة لفرض رأي واحد أو صوت واحد هي في حقيقتها محاولة لإلغاء المجتمع نفسه وتحويله إلى كتلة صامتة.

ومن هنا، فإن القبول بالآخر يبدأ أولًا من الاعتراف بكرامة الإنسان وحقه في التفكير والتعبير والمشاركة. فالمجتمعات التي تبني استقرارها على الإقصاء سرعان ما تكتشف أنها تؤسس لصراعات مؤجلة، لأن الإقصاء لا يلغي الآخر بل يدفعه إلى البحث عن وسائل أخرى ليعبّر عن وجوده.


لقد عانت منطقتنا، بما فيها عدن والجنوب، من ثقافة التخوين أكثر مما عانت من الاختلاف نفسه. فبدل أن يتحول التنوع السياسي والفكري إلى مصدر قوة، جرى تحويله إلى ساحة صراع، حيث أصبح الرأي المخالف تهمة، والموقف المختلف خيانة. وهذه من أخطر الثقافات التي يمكن أن تصيب أي مجتمع، لأنها تهدم الجسور بين أبنائه وتزرع الشك بينهم.


إن المجتمعات التي تريد بناء مستقبلها لا تبدأ بتصفية خصومها، بل بفتح أبواب الحوار معهم. فالحوار ليس ضعفًا، بل هو أرقى أدوات إدارة الاختلاف. والتاريخ يعلمنا أن الأمم التي نجحت في تجاوز أزماتها هي تلك التي أدركت أن التوافق لا يولد من الإلغاء، بل من الاعتراف المتبادل.


والقبول بالآخر ليس شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل هو أيضًا ضرورة سياسية واجتماعية. فالدولة الحديثة لا تقوم على الإقصاء، وإنما على التعدد والتنظيم القانوني لهذا التعدد. ومن دون ذلك يتحول المجال العام إلى ساحة صراع دائم، حيث يحاول كل طرف إلغاء الآخر بدل البحث عن مساحة مشتركة للعمل.


وفي النهاية، فإن المجتمع القوي ليس ذلك الذي يخلو من الخلاف، بل ذلك الذي يعرف كيف يدير خلافاته دون أن يهدم نفسه. فقبول الآخر هو في جوهره قبول بفكرة المجتمع ذاته، لأن المجتمع الحقيقي لا يتكون من نسخة واحدة من الناس، بل من تنوعهم.


ولهذا، فإن الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر فرض الصمت، بل عبر احترام الصوت الآخر. فحين يتعلم الناس أن يختلفوا دون أن يتخاصموا، يصبح الاختلاف مصدر قوة، لا بذرة انقسام.




شاهد أيضًا

عاجل | انفجارات تهز مديرية صيرة.. أنباء أولية عن استهداف قصر ...

الجمعة/30/أكتوبر/2026 - 09:50 م

هزّت انفجارات عنيفة، قبل قليل، مديرية صيرة في العاصمة عدن، وسط حالة من الهلع بين السكان، بالتزامن مع تداول أنباء أولية عن تعرض قصر معاشيق لاستهداف صار


عاجل | انفجاران عنيفان يهزان العاصمة عدن ...

الجمعة/30/أكتوبر/2026 - 09:25 م

دوّى انفجاران عنيفان في العاصمة عدن، مساء اليوم، وسط حالة من الترقب والقلق بين المواطنين، فيما لم تتضح حتى اللحظة طبيعة الانفجارين أو المواقع التي وقع


عاجل: انفجار عنيف يهز مطار عدن إثر قصف حوثي جديد ...

الأربعاء/28/أكتوبر/2026 - 03:08 م

استهدفت مليشيا الحوثي مطار عدن الدولي بهجوم جديد قبل قليل. وأفاد شهود عيان للعين الثالثة بسماع دوي انفجار ضخم داخل المطار أثار حالة من الرعب في أوساط


شاهد بالفيديو.. صقور العمالقة تدمر شاحنة ذخائر حوثية بضربة د ...

الأربعاء/28/أكتوبر/2026 - 01:20 م

دمرت قوات العمالقة الجنوبية شاحنة محملة بالذخائر تابعة لمليشيا الحوثي الإرهابية في جبهة كهبوب. وأظهر مقطع فيديو متداول لحظة استهداف الشاحنة بضربة دقيق