في قلب مدينة كريتر، حيث تختلط الذاكرة بالحجر، وتتشابك الديانات مع تاريخ عدن المتسامح، يقف معبد البينيان – أقدم وأكبر معبد هندوسي في المدينة – اليوم أمام أخطر تهديد يتعرض له منذ إنشائه قبل أكثر من قرن ونصف.
تهديد لا يأتي من حرب، ولا من قصف، بل من أوراق صادرة عن محكمة، يُلوّح بها شخص يدّعي ملكيته لحوش المعبد، في واقعة تُعد سابقة خطيرة في تاريخ الاعتداء على المعالم الدينية والأثرية في العاصمة عدن.
تابعت العين الثالثة تطورات هذه القضية منذ لحظاتها الأولى، ووقفت على حجم القلق الشعبي، وحالة الصدمة التي يعيشها سكان منطقة الخساف، الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام خطر فقدان فضاء عام ظل جزءًا من حياتهم اليومية لعقود طويلة.
معبد قاوم الحروب.. ويواجه اليوم القلم
معبد البينيان ليس مجرد مبنى ديني، بل هو شاهد حي على حقبة تاريخية كانت فيها عدن ميناءً عالميًا ومركزًا للتعدد الثقافي والديني.
على مدى نحو 150 عامًا، مرّت عليه حروب، اضطرابات، تغيّر أنظمة، وانفلات أمني، لكنه ظل بمنأى عن أي اعتداء على حدوده أو مساحته، بما في ذلك الحوش الأمامي الذي كان جزءًا لا يتجزأ من تكوينه التاريخي.
خلال سنوات الفوضى بعد 2015، حين غابت الدولة وتراجعت الرقابة، تكفل أبناء الحي بحماية الموقع، أغلقوا بوابته المهدمة، واستخدموا مساحته كمتنفس للحي، وكموقف للسيارات، وملعب لأطفال المنطقة، في صورة نادرة للتكافل المجتمعي لحماية مرفق أثري من النهب والبسط.
لكن اليوم، يظهر شخص متنفذ يحمل أوراقًا قضائية حديثة، يدّعي من خلالها ملكيته لكامل الحوش، ويطالب بإخلائه فورًا، بل ويفرض إيجارات على من يستخدمون المكان.
أوراق حديثة.. على أرض عمرها قرن ونصف
وفق إفادات سكان المنطقة، فإن من يدّعي الملكية لم يكن له أي حضور أو مطالبة بالموقع طوال العقود الماضية، لم يظهر اسمه في أي وثيقة قديمة، ولا في سجلات الوقف أو الدولة أو البلدية.
ورغم ذلك، تمكن – بحسب المحامي الموكّل من الأهالي – من الحصول على حكم قضائي دون أن يثبت أصل ملكيته للأرض قبل رفع الدعوى.
حصلت العين الثالثة على إفادات قانونية تفيد بأن القضية شُطبت في المحكمة بعد تهرب المدّعي من الجلسات، قبل أن يعاد تفعيل الحكم بطريقة تثير كثيرًا من علامات الاستفهام، وصولًا إلى إصدار أمر إخلاء خلال أسبوع واحد فقط.
المحامي يكشف: ما يجري تمرير خطير
المحامي أرسلان أبو حبيب، الموكّل من سكان الحي وصاحب السمكرة الموجود داخل الحوش، أوضح أن الإجراءات التي تمت لا تتفق مع المسار الطبيعي لأي دعوى ملكية على موقع له طابع ديني وأثري.
وبحسب إفادته، فإن الجهات المفترض أنها صاحبة الاختصاص، وعلى رأسها مكتب الأوقاف والسلطة المحلية بمديرية صيرة، لم تُبدِ أي تجاوب جاد، وهو ما يفتح الباب أمام تمرير الحكم وتنفيذه دون تدقيق أو مراجعة.
وهنا تطرح العين الثالثة سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن تمرير حكم بملكية موقع أثري وديني دون الرجوع إلى الجهات السيادية المختصة بالآثار والأوقاف؟ وأين سجلات الدولة، وخرائطها، ووثائقها التي يفترض أن تحمي مثل هذه المواقع من العبث؟
السلطة المحلية: علم بلا فعل؟
في تواصل سابق مع مدير مديرية صيرة، الدكتور محمود جرادي، أكد أن السلطة المحلية ليست على علم بامتلاك أي شخص لحوش المعبد، لكن هذا النفي، رغم أهميته، لم ينعكس على الأرض بإجراءات توقف تنفيذ الحكم أو تحمي الموقع من البسط.
الناشط إياد الحميدي، الذي يتابع ملف المعبد منذ أكثر من عامين، كان قد قدّم عدة طلبات رسمية لتحويل الحوش إلى متنفس مجتمعي آمن، مزود بإنارة شمسية، في محاولة لحمايته من الاستغلال أو التعدي، آخرها في نوفمبر الماضي، لكن غياب القرار الرسمي ترك الموقع مكشوفًا أمام أي نفوذ أو تلاعب.
معركة ليست على أرض.. بل على ذاكرة
ما يجري في معبد البينيان يتجاوز كونه نزاعًا عقاريًا. نحن أمام معركة على ذاكرة عدن، على أحد رموز تنوعها وتاريخها المفتوح، إذا سُمح اليوم ببسط حوش المعبد بأوراق حديثة، فغدًا لن يكون أي مسجد أو كنيسة أو معلم أثري في مأمن.
العين الثالثة ترى أن هذه القضية تمثل اختبارًا حقيقيًا للدولة، ولمؤسساتها القضائية والإدارية، ولقدرتها على الفصل بين الحق العام والنفوذ الخاص.
رسالة مفتوحة إلى الجهات المعنية
يوجّه أبناء منطقة الخساف، ومعهم ناشطون ومهتمون بالتراث، نداءً عاجلًا إلى:
-
محافظ العاصمة عدن، الأستاذ عبدالرحمن شيخ
-
مدير مديرية صيرة، الدكتور محمود جرادي
-
الهيئة العامة للآثار والمتاحف
-
مكتب الأوقاف بعدن
-
المنظمات المحلية والدولية المعنية بحماية التراث
بضرورة التدخل الفوري لوقف أي إجراء يمس حوش المعبد، وفتح تحقيق شفاف في كيفية إصدار وتنفيذ هذا الحكم، وحماية الموقع باعتباره جزءًا من التراث الديني والإنساني لعدن.
معبد البينيان صمد أمام القنابل، فلا يجوز أن يسقط أمام ختم، وما لم تتحرك الدولة اليوم، فإن عدن ستفقد غدًا قطعة جديدة من روحها.








