أعادت صحيفة الوطن السعودية فتح ملف اغتيال محافظ عدن السابق اللواء جعفر محمد سعد، لكن ليس بحثًا عن الحقيقة، بل عبر رواية مسيّسة حمّلت فيها دولة الإمارات العربية المتحدة مسؤولية الجريمة، في تجاهل صارخ للوقائع التي رافقت الحادثة وقت وقوعها، وللبيانات التي أعلنتها جهات تبنّت العملية علنًا.
هذا الطرح لا يمكن قراءته إلا في سياق الضغط الإعلامي وتصفية الحسابات السياسية، حيث تُستَخدم دماء الشهداء كورقة في صراع سرديات، على حساب الحقيقة والعدالة.
اغتيال موثّق وسياق معروف
في ديسمبر 2015، قُتل اللواء جعفر محمد سعد إثر تفجير سيارة مفخخة استهدف موكبه في مدينة عدن، في مرحلة كانت تشهد انفلاتًا أمنيًا واسعًا وتمدّدًا للجماعات المتطرفة.
عقب العملية مباشرة، تبنّى تنظيم داعش في اليمن الاغتيال عبر بيان منسوب له، نُشر في حسابات مرتبطة بالتنظيم، وتضمّن صورًا من موقع الاستهداف، في سياق سلسلة عمليات نفذها التنظيم آنذاك ضد قيادات أمنية ومدنية في عدن.
هذه الوقائع كانت معروفة ومتداولة على نطاق واسع في حينه، ولم تكن محل جدل جدي، خصوصًا في ظل تصاعد نشاط داعش واغتيالاته الممنهجة في الجنوب خلال تلك الفترة.
جعفر سعد: هدف واضح للتنظيمات المتطرفة
لم يكن جعفر محمد سعد شخصية عابرة، كان أحد رجال تحرير عدن، ولعب دورًا محوريًا في مرحلة ما بعد التحرير، معتمدًا بشكل كبير على الدعم الإماراتي في إعادة تطبيع الحياة، وبناء الأجهزة الأمنية، ومحاولة تثبيت الاستقرار في مدينة خرجت للتو من الحرب.
بهذا المعنى، كان الرجل هدفًا مباشرًا للتنظيمات الإرهابية التي رأت في مشروع الاستقرار وإعادة بناء الدولة خطرًا وجوديًا عليها، وهو ما ينسجم منطقيًا مع تبنّي داعش للعملية في ذلك الوقت.
من الحقيقة إلى المتاجرة بالدم
ما فعلته صحيفة الوطن اليوم ليس كشفًا استقصائيًا، بل إعادة توظيف لجريمة إرهابية ضمن معركة إعلامية إقليمية، فتحميل الإمارات مسؤولية اغتيال شخصية كانت تُعد من أقرب حلفائها في عدن، ومن أعمدة مشروعها في استعادة الأمن، يتعارض مع أبسط منطق سياسي وأمني، ويقفز فوق السياق الحقيقي للجريمة.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب:
-
يطمس حقيقة الجريمة ومنفذيها الحقيقيين
-
يبرئ الإرهاب ضمنيًا عبر تغييب دوره
-
يحوّل دم الشهيد إلى أداة ابتزاز سياسي
وهو ما يشكّل ضياعًا للحقيقة، ومتاجرة صريحة بدماء الشهداء.
الإعلام كسلاح ضغط
لا يمكن فصل هذا الطرح عن حالة التوتر الإعلامي المتصاعد، حيث بات بعض الإعلام السعودي يوظّف ملفات حساسة لتوجيه رسائل سياسية، حتى وإن كان الثمن تشويه الوقائع أو إعادة كتابة التاريخ القريب بما يخدم لحظة الصراع.
لكن النتيجة النهائية لمثل هذا الخطاب لا تخدم أحدًا: لا العدالة، ولا الاستقرار، ولا حتى صورة الأطراف المنخرطة فيه.
اغتيال جعفر محمد سعد جريمة إرهابية موثّقة، وسياقها معروف، ومنفذوها أعلنوا أنفسهم في حينه، أما إعادة تدوير الجريمة اليوم، وتحميلها لأطراف إقليمية بعينها، فليس إلا استثمارًا سياسيًا في الدم، ومحاولة لتصفية حسابات إعلامية على حساب الحقيقة.
وفي بلد أنهكته الحروب والاغتيالات، تبقى الحقيقة هي الضحية الأولى… إذا لم يُدافع عنها بوضوح ومسؤولية.