آخر تحديث :السبت - 10 يناير 2026 - 09:25 ص

إلغاء المجلس الانتقالي الجنوبي وهيئاته: بين الرضا والإكراه على التوقيع والخيانة العظمى

الجمعة - 09 يناير 2026 - الساعة 11:26 م

د. أمين العلياني
الكاتب: د. أمين العلياني - ارشيف الكاتب



استنادًا إلى المبادئ القانونية والسياسية التي تحكم تكوين وتمثيل الكيانات السياسية في أي دولة، وإلى الوثائق التأسيسية والميثاق الناظم لعمل المجالس الانتقالية في إطار العمل النضالي والكفاحي والثوري لاستعادة الدول المحتلة من أي محتل غاشم، فإن الحالة الراهنة بين شمال اليمن والجنوب العربي تستحق التوقف عندها. فقد كانتا دولتين دخلتا في وحدة اندماجية أصبح استمرارها مستحيلًا لأسباب عدة، منها الحروب المتكررة والنهب والقتل والاغتيالات وتدمير مؤسسات الدولة الجنوبية بعد حرب صيف ١٩٩٤، ثم تكرر ذلك في ٢٠١٥، وما زالت الحروب الأخرى تلوح في الأفق. وجميع هذه الأسباب تعود جذورها إلى تجربة الوحدة وتبعاتها.

ويمكن التعليق على ما صدر عن الوفد الرسمي للمجلس الانتقالي الجنوبي من بيان مقروء، كان معدًّا سلفًا وأُجبر الأمين العام للأمانة العامة للمجلس على قراءته، مما يدل على أنه كان تحت الإكراه وضغوط لا ترتقي لمستوى العمل السياسي والدبلوماسي لدولة ترعى مثل هذه الحوارات، خاصة مع ما يتمتع به الوفد من خبرة سياسية ودبلوماسية وعملية في التعامل مع الملف اليمني شمالًا وجنوبًا منذ عاصفة الحزم حتى اليوم.

أما بخصوص بيان إلغاء المجلس الانتقالي الجنوبي وهيئاته، فإنه يمثل نكسة جديدة تضاف إلى سلسلة النكسات التي تعرضت لها الأرض والجيش الجنوبي من هجمات عسكرية دون مبررات مقنعة حتى اليوم. وما زاد الأمر خطورة هو عزل رئيس المجلس الانتقالي وعضو مجلس القيادة الرئاسي بتهمة الخيانة العظمى، ليس وحده بل بموافقة أربعة من أعضاء المجلس (الزبيدي، المحرمي، طارق، البحسني)، بينما كان الهدف المعلن هو إعادة التموضع لتحرير الأرض ومحاربة الإرهاب والتهريب، الذي يشكل شريانًا ماليًّا وماديًّا للمليشيات الحوثية، وليس كما زُعم أنه يمثل خطرًا على الأمن القومي السعودي الاستراتيجي.

وفي المقابل، لم نرَ اتهامًا بالخيانة العظمى ولا هجومًا عسكريًّا على القوات الإخوانية التي سلمت الجوف وأجزاء كبيرة من مأرب وثلاث مديريات من شبوة، ليس الأرض فحسب، بل حتى الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والكبيرة للمليشيات الحوثية، وهي أرض تؤثر على الأمن القومي السعودي الاستراتيجي. ومع ذلك، لم توجه إليهم تهمة الخيانة العظمى أو يحالوا للتحقيق.

عودة إلى مستجدات اليوم حول بيان صادر عن وفد المجلس الانتقالي الجنوبي بعاصمة التحالف العربي بشأن إلغاء المجلس الانتقالي الجنوبي وهيئاته.

أولًا: من حيث الشرعية التأسيسية والتمثيل:
١. يمثل المجلس الانتقالي الجنوبي تجسيدًا لإرادة شعبية جنوبية عبرت عن نفسها عبر آليات تفويض جماعي، وهو بذلك كيان ذو شرعية تأسيسية نابعة من الإرادة الشعبية، ولا تخضع شرعية الكيانات السياسية النابعة من إرادة شعبها لقرارات خارجية أو ضغوط.
٢. جاء المجلس الانتقالي الجنوبي وهيئاته كحاضن سياسي عريض لتمثيل قضية استعادة دولة الجنوب العربي، مما يجعل أي قرار مصيري يتعلق به – كحله أو إلغائه – مستحيلًا قانونيًّا وسياسيًّا دون الرجوع إلى هذه الإرادة الشعبية المؤسسة ومؤسساتها المعتمدة، مثل الرئيس المفوض والجمعية الوطنية ومجلس المستشارين والأمانة العامة والهيئات المساعدة والهيئات التنفيذية في المحافظات والجامعات والمديريات.

ثانيًا: من حيث الإطار الدستوري والميثاق الداخلي:
١. ينظم عمل المجلس وهيئاته ميثاق الشرف الوطني الجنوبي، الذي يشكل عقدًا اجتماعيًّا وسياسيًّا ملزمًا لأعضائه وقادته، ويشمل قسم الولاء والعهد على الثوابت والأهداف، مما يجعل الانحراف عنها أو التفريط بها مخالفة جسيمة لأصول العمل السياسي المنظم وتعد خيانة عظمى يحاسب عليها قانونيًّا.
٢. بناءً عليه، لا يملك أي فرد أو مجموعة – بغض النظر عن موقعهم – صلاحية إصدار قرار بإلغاء المجلس منفردين، سواء برضا أو تحت ضغوط وإكراه، لأن ذلك:

· ينتهك الميثاق التأسيسي الذي التزموا به.
· يتجاوز التفويض الممنوح لهم، فهم ممثلون وليسوا مالكين للكيان السياسي الممثل في المجلس الانتقالي الجنوبي وهيئاته.
· يخالف مبدأ السيادة الداخلية (إرادة الشعب وحدود الأرض) للكيان السياسي.

ثالثًا: من حيث الجهة المختصة دستوريًّا باتخاذ قرار مصيري كهذا:
إن الجهة الوحيدة ذات الصلاحية القانونية والدستورية لمناقشة واتخاذ قرار مصيري بشأن حل أو إلغاء المجلس الانتقالي الجنوبي هي مجموع مؤسساته الرسمية والهيئات الشعبية التي أنشأته وتمثله، وعلى رأسها:

· هيئة الرئاسة.
· الرئيس المفوض.
· الجمعية الوطنية.
· مجلس المستشارين.
· الدوائر والهيئات التابعة للأمانة العامة.
· الهيئات التنفيذية في المحافظات والمديريات والجامعات.
· المجلس العمومي (كأوسع هيئة تمثيلية).

وبالتالي، فإن أي بيان أو قرار يصدر خارج هذا الإطار المؤسسي يعدُّ باطلًا قانونًا، وعديم الأثر، وينتج عنه مسؤوليات قانونية وسياسية تجاه من يصدره أو يحاول الضغط على من وافق عليه إكراهًا.

رابعًا: من حيث الموقف من الضغوط الخارجية وتداعياتها:
١. رفض مبدأ الضغط لإنهاء كيان سياسي: إن ممارسة أي ضغط – من أي جهة – لإجبار وفد على اتخاذ قرار بإلغاء كيانه السياسي الذي يمثل إرادة شعبية، هو عمل منافٍ لأصول العلاقات الدولية ولحقوق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار ممثليها.
٢. التحذير من الآثار الخطيرة: فإن القبول والانصياع لمثل هذه الضغوط سيكون له آثار كارثية على:

· مصداقية العملية السياسية برمتها.
· استقرار المنطقة، حيث يعمل المجلس كإطار جامع لأغلب القوى الجنوبية.
· مستقبل قضية شعب الجنوب العربي، حيث سيُفقد الثقة في آليات التمثيل السياسي ويُفتح الباب أمام الفوضى وسبل أخرى غير سلمية.

خامسًا: التوصيات والإجراءات المقترحة للحفاظ على كيان المجلس الانتقالي الجنوبي وهيئاته:
بناءً على ما تقدم، أوصي بما يلي:

١. على المستوى الرسمي (الهيئات القيادية والعليا للمجلس):

· إصدار بيان رسمي واضح وصريح من الهيئة الرئاسية أو الأمانة العامة يرفض أي ضغط خارجي، ويؤكد أن قرار البقاء أو الحل هو اختصاص حصري للمؤسسات الداخلية والشعب الجنوبي.
· استدعاء الوفد المفترض تعرضه للضغط لتقديم تقرير مفصل وشفاف أمام الهيئات الرئاسية المختصة.
· التشبث بميثاق الشرف ووصف أي محاولة للخروج عليه بمخالفة تستدعي المساءلة كما نصت عليها المواد الخاصة بالعقوبات.

٢. على المستوى الشعبي والتنفيذي (الهيئات التنفيذية بالمحافظات والمديريات والجامعات):

· عقد اجتماعات طارئة لهذه الهيئات لتأكيد رفضها لأي قرار يصدر تحت الضغط، وتجديد البيعة للمشروع الجنوبي وللمجلس كممثل شرعي.
· تنظيم أنشطة توعوية وحملات إعلامية (بيانات، عرائض، منشورات) توضح حقيقة الموقف وتؤكد تمسك الشعب الجنوبي بكيانه التمثيلي.
· التواصل مع القيادة السياسية للمجلس لمطالبتها بالثبات ورفض التساوم على كيان المجلس الانتقالي الجنوبي وهيئاته.

٣. على المستوى القانوني والدبلوماسي:

· توثيق أي حالات ضغط أو محاولات للتأثير غير المشروع، والاحتفاظ بها كسجل قانوني وسياسي.
· توضيح الموقف القانوني والسياسي لجميع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، بأن استقرار الجنوب مرتبط بوجود ممثل شرعي معترف به من قبل شعبه، لا يقبل الوصاية عليه.

خلاصة:

· المجلس الانتقالي الجنوبي كيان سياسي كبير وجبهة سياسية عريضة تمثل إرادة شعبية تعبر عن السواد الأعظم، وجغرافيًّا تمتد من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، وهو منظوم بميثاق داخلي ملزم، ولا يجوز إلغاؤه إلا بآلية داخلية ديمقراطية من قبل مؤسساته المعتمدة.
· أي ضغط خارجي لتحقيق ذلك يعد انتهاكًا للسيادة الداخلية للإرادة الشعبية الجنوبية، ويجب رفضه والتصدي له بكل حزم من قبل جميع الهيئات القيادية والشعبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي وهيئاته ومناصريه، بكل السبل والوسائل الكفيلة بحمايته.




شاهد أيضًا

تحذير من انفجار إقليمي: ناشط يتحدث عن «شغل مخابراتي» يقود ال ...

الجمعة/09/يناير/2026 - 11:56 م

حذّر ناشط سياسي من تداعيات خطيرة للأحداث الجارية في حضرموت والجنوب، معتبراً أنها تمثل شرارة صراع إقليمي قد يمتد إلى الخليج والشرق الأوسط برمته، في ظل


مذكرة أمنية تشعل الجدل في عدن.. منع المليونيات وسط اتهامات ب ...

الجمعة/09/يناير/2026 - 11:34 م

تداول ناشطون، اليوم، مذكرة صادرة عن عمليات محافظة عدن تقضي بمنع إقامة أي مظاهرات أو تجمعات أو فعاليات جماهيرية خلال الفترة الحالية، بذريعة الحفاظ على


تدهور صحة اللواء أحمد بن بريك ونقله لمستشفى في الرياض وسط ات ...

الجمعة/09/يناير/2026 - 11:20 م

أفادت مصادر وناشطون، اليوم، بنقل اللواء أحمد سعيد بن بريك إلى أحد مشافي العاصمة السعودية الرياض، بعد تدهور حالته الصحية أثناء احتجازه، في ظل اتهامات ب


إعلامي مغربي: محاصرة صوت الجنوب جرحٌ عربي مفتوح وحسرة ممزوجة ...

الجمعة/09/يناير/2026 - 10:00 م

عبّر الإعلامي المغربي توفيق جازوليت عن تضامنه مع القضية الجنوبية، منتقدًا ما وصفه بـ«محاصرة صوت الشعب الجنوبي بقرار فوقي»، في تغريدة نشرها على حسابه ف