آخر تحديث :الثلاثاء - 30 يونيو 2026 - 05:06 ص

أبحر الجميع على قارب اسمه " دولة المواطنة"

الثلاثاء - 01 أبريل 2025 - الساعة 02:36 م

د. ياسين سعيد نعمان
الكاتب: د. ياسين سعيد نعمان - ارشيف الكاتب



استدعاء الماضي السياسي لمعالجة مشاكل الحاضر وصياغة المستقبل خطأ جسيم . هذه قاعدة عامة في الحياة السياسية لا يجوز إغفالها .

يزخر الماضي بكنوز المعرفة التي تشكل تراثًا انسانيًا هائلاً ، لكن هذا التراث يُفرز منه السياسي باعتباره حالة خاصة لا تتكرر ، وكل الذين حاولوا تكرارها في ظروف وحقب مختلفة تقطعت بهم السبل وتخبطوا في معارك أفضت إلى انهيارات متلاحقة .

الماضي تاريخ له دوره في الاستدلال على المعطيات والاحداث والوقائع التي تكونت منها وبسببها الهوية الوطنية لكل شعب من شعوب الأرض ، ولكل أمة من أمم الكون ، عبر عمليات طويلة ومعقدة يشترك فيها المجتمع بكل مكوناته ، وقدم ويقدم من خلالها التضحيات الجسيمة .

يتوقف دور التاريخ في مدّنا بما يسهم في بقاء حلقات التواصل مع الماضي عندما يتعلق بهذه المسألة ، أما إدارة هذه الهوية فإنها تجسد حلقات التطور الطبيعي التي يستنبطها الانسان من حاجاته وظروف عصره وبأدوات يختارها بإرادته ، والتي لا تستقيم حياته بدونها انطلاقًا من كونه يمتلك عقلًا ينتج المعرفة ، ويتطور بالمعرفة في علاقة جدلية تتجسد في التكوين السياسي والاجتماعي الذي يدير بواسطته شئون حياته .

لا أذهب باستدعاء الماضي هنا إلى الأفراد كأفراد مؤهلين للقيام بدور سياسي واجتماعي ما ، وإنما إلى الرمزية والمسميات الماضوية التي يتم بها استدعاؤهم لتمثيل المكونات السياسية والاجتماعية لما قبل الدولة للقيام بهذا الدور .

مكر التاريخ ، في ظروفنا ، يضع قراراً من هذا النوع ، بغض النظر عما يحمله من أهداف ، في فك الماضي ؛ وللماضي السياسي في الجنوب فك تمساح توارى طويلاً في المياه الضحلة ينتظر أن يأتي اليه القارب المُتْعب والمبحر وسط العواصف ليصفي حسابات قديمة .

لا يمكن أن يُسلّم هذا البلد الى فك التمساح بحثاً عن طريق يوصله بالمستقبل . لتكن لدى البلد الوجاهات الاجتماعية التي يعتد بها ، والتي تستولد من رحم المواطنة والدولة والأهلية والكفاءة ، لا من أرحام المنزلة الاجتماعية والتراتبية المتيبسة ، والتي تعيد تفكيك الجنوب إلى تكويناته السياسية والاجتماعية القديمة من خلال استدعاء الماضي السياسي الذي طوته الثورة ، وأنتجت عوضاً عنه دولة صار فيها الجميع مواطنين . أصبح فيها السلطان القديم لجغرافيا لا تتعدى حدود القبيلة محافظًا لرقعة جغرافية وبشرية واسعة عابرة لحدود القبيله الصغيرة التقليدية ؛ وأصبح الشيخ قائدًا عسكريًا يضم في لوائه أو فرقته أو جيشه كل البلاد متجاوزًا حدود السلطنة والمشيخة والامارة ، وغيره .. وغيره ممن بإمكانه أن يصبح قائدًا لما هو أعم وأكبر ، فكيف لنا أن نعيد ترسيم هؤلاء "المواطنين" في حدود قبيلتهم أو إمارتهم .. الخ . الدولة الوطنية أكسبت الجميع "المواطنة" ، وفتحت أمامهم الطريق الى أن يكونوا قادة وطن ، وتكون الدولة بهذا قد تشكلت من ذلك النسيج الذي لم يعد بالإمكان فرزه دون أن يؤدي ذلك إلى تفكيكه .

مرة أخرى أقول إن استدعاء الماضي السياسي لمعالجة مشاكل الحاضر والمستقبل خطأ كبير ، لقد أبحر الجميع على قارب اسمه " الوطن" واشتقوا منه صفة المواطنة ، والتي تعني المساواة في الحقوق والواجبات ، ومنها حقه في أن يصبح قائدًا في دولة عابرة لحدود القبيلة أو الامارة و السلطنة وغيرها من التكوينات السياسية القديمة ، وحق البلاد عليه في أن يسهم في تحويلها إلى وطن .

كل عام وانتم بخير .




شاهد أيضًا

من استهداف الصورة إلى اقتلاع المنصة... ماذا يخيفهم في ساحة ا ...

الثلاثاء/23/يونيو/2026 - 04:00 م

في الوقت الذي تغرق فيه العاصمة عدن تحت وطأة الانهيار الخدمي والاقتصادي، وتتصاعد معاناة المواطنين مع انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وتأخر الرواتب، اتج


سقوط نحو ثمانية أطفال بين شهيد وجريح إثر انفجار مقدوف من مخل ...

الإثنين/22/يونيو/2026 - 05:29 م

سقط نحو ثمانية أطفال بين شهيد وجريح، مساء اليوم، إثر انفجار جسم متفجر من مخلفات مليشيا الحوثي الإرهابية، في قرية الريبي شمال منطقة حجر بمحافظة الضالع.


ميزانية القصور في زمن المجاعة.. 138 مليار ريال لسلطة غائبة و ...

الإثنين/22/يونيو/2026 - 02:25 م

في الوقت الذي يقف فيه ملايين اليمنيين أمام أبواب البنوك بحثاً عن رواتب متأخرة، ويعيش المواطن ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء، وتتصاعد أسعار الغذاء والد


حين يُطلق الرصاص على الابتسامة.. ساحة العروض، والصراع الذي ت ...

السبت/20/يونيو/2026 - 04:13 ص

لم تكن المشاهد التي شهدتها ساحة العروض في عدن مجرد حادثة استهداف لصورة معلقة، بل تحولت إلى مشهد حمل الكثير من الرمزية. فبينما انهالت الطلقات على صورة