تتزايد الدعوات إلى إعادة هيكلة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في أعقاب الأزمة التي أثارتها خطة رئيسه جياني إنفانتينو لبيع حصة من العوائد التجارية لكأس العالم إلى مستثمرين من القطاع الخاص، وهي الخطة التي واجهت معارضة واسعة داخل أروقة اللعبة، وأعادت فتح النقاش حول مستقبل الحوكمة في المؤسسة التي تدير كرة القدم العالمية.
ووفقاً لصحيفة �الغارديان� البريطانية، يرى خبراء في الحوكمة الرياضية ومسؤولون سابقون في �فيفا� أن الأزمة الحالية لا تقتصر على مشروع استثماري تم التراجع عنه، بل تكشف عن اختلالات هيكلية في طريقة إدارة الاتحاد الدولي، مما يستدعي إصلاحات عميقة تعيد التوازن بين الجوانب التجارية والتنظيمية والرقابية.
ويبرز في مقدمة المقترحات فصل الأدوار داخل �فيفا�، بحيث لا تكون الجهة التي تنظم كأس العالم وتسعى إلى تعظيم إيراداته هي نفسها التي تضع اللوائح وتفسرها وتراقب تطبيقها. ويعتقد أصحاب هذا الطرح أن تضارب المصالح أصبح أكثر وضوحاً خلال كأس العالم الأخيرة، بعد الجدل الذي صاحب بعض القرارات التنظيمية والانضباطية، معتبرين أن استقلال الإدارات المختلفة سيمنع الاعتبارات التجارية من التأثير في القرارات الرياضية.
كما تتصاعد المطالب بإنشاء هيئة رقابية مستقلة تشرف على الحوكمة في المنظمات الرياضية الدولية، على غرار الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (وادا). ويؤكد مؤيدو هذا المقترح أن الاعتماد على الرقابة الداخلية لم يعد كافياً، وأن وجود جهة خارجية تراقب الالتزام بمعايير الشفافية والنزاهة سيحد من تكرار الأزمات، خصوصاً مع تضخم الإيرادات المالية لكرة القدم العالمية.
ومن بين أبرز الانتقادات الموجهة إلى �فيفا� أيضاً اتساع صلاحيات الرئيس، إذ يرى مراقبون أن الأزمة الأخيرة أظهرت حجم النفوذ الذي يتمتع به رئيس الاتحاد الدولي في رسم السياسات الكبرى وإدارة الملفات التنفيذية. لذلك تُطرح أفكار تمنح مجلس �فيفا� دوراً أكبر في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، مع تقليص صلاحيات الرئيس في الملفات المالية والإدارية، بما يحقق توازناً مؤسسياً ويمنع تركيز السلطة في يد شخص واحد.
وتشمل المقترحات كذلك تعزيز الشفافية داخل الاتحاد الدولي، عبر نشر تفاصيل أوضح عن آليات اتخاذ القرار، والإفصاح بصورة أوسع عن كيفية توزيع أموال التطوير على الاتحادات الوطنية، إلى جانب إخضاع تلك البرامج لمراجعات مالية مستقلة يمكن التحقق منها. ويعتقد منتقدو �فيفا� أن غياب التدقيق العلني في برامج الدعم يحد من إمكانية تقييم أثرها الحقيقي على تطوير اللعبة.
وفي ملف التطوير، يرى خبراء أن آلية توزيع الأموال تحتاج إلى إعادة نظر، إذ يحصل كل اتحاد وطني على مخصصات متقاربة رغم التفاوت الكبير في عدد اللاعبين وحجم البنية التحتية والاحتياجات التنموية بين الدول. ويؤكد هؤلاء أن ربط التمويل بخطط تطوير واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس سيكون أكثر فاعلية من نظام التوزيع الحالي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على المساواة بين جميع الاتحادات.
كما تمتد الدعوات الإصلاحية إلى طريقة اتخاذ القرار داخل �فيفا�، مع مطالب بتوسيع قاعدة المشاركة بحيث لا تقتصر على رؤساء الاتحادات الوطنية، وإنما تشمل ممثلين عن الأندية واللاعبين والمدربين وكرة القدم النسائية، إلى جانب منح الجماهير دوراً استشارياً في بعض الملفات الكبرى. ويرى أصحاب هذا التوجه أن تنوع الجهات المشاركة في صنع القرار سيحد من هيمنة التكتلات الانتخابية التقليدية، ويخلق توازناً أكبر داخل منظومة الاتحاد الدولي.
وتأتي هذه الطروحات في وقت يواجه فيه �فيفا� واحدة من أكثر الفترات حساسية في عهد إنفانتينو، بعدما تحوَّلت خطة إدخال المستثمرين إلى كرة النار التي فجَّرت انقساماً غير مسبوق داخل المؤسسة، وأعادت ملف إصلاح الحوكمة إلى صدارة النقاش العالمي، وسط قناعة متزايدة بأن مستقبل الاتحاد الدولي لن يتحدد فقط بهوية رئيسه المقبل، بل أيضاً بقدرته على استعادة الثقة من خلال إصلاحات مؤسسية تعزز الشفافية وتحد من تركّز السلطة وتضمن إدارة أكثر توازناً لكرة القدم العالمية.