يثير استمرار إقامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في العاصمة السعودية الرياض، منذ أكثر من ستة أشهر، تساؤلات متزايدة حول طبيعة المرحلة التي تمر بها السلطة، ومستقبل المجلس الرئاسي نفسه، في ظل تراجع الحضور السياسي والإداري داخل العاصمة عدن، وتفاقم الأزمات في المحافظات المحررة.
غياب طويل في لحظة حساسة
بحسب ما رصدته العين الثالثة، فإن العليمي لم يعد إلى عدن منذ مغادرته أواخر العام الماضي، رغم التطورات السياسية والأمنية والخدمية التي تشهدها البلاد، ما فتح باب النقاش حول أسباب هذا الغياب، ومدى تأثيره على أداء مجلس القيادة الرئاسي.
ويأتي ذلك في وقت تُدار فيه العاصمة عدن أمنيًا وعسكريًا ضمن ترتيبات واضحة، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التساؤل عمّا إذا كانت هناك اعتبارات سياسية أعمق تقف خلف استمرار إدارة الدولة من الخارج.
إدارة “افتراضية” للدولة
الانتقادات الموجهة للعليمي لا تتعلق فقط بمكان إقامته، بل أيضًا بطبيعة الأداء السياسي خلال الأشهر الماضية، حيث يرى متابعون أن النشاط الرئاسي بدا محدودًا مقارنة بحجم التحديات القائمة.
فمجلس القيادة الرئاسي، وفق ما تشير إليه المعطيات، عقد عددًا محدودًا من الاجتماعات خلال الفترة الماضية، في وقت تشهد فيه المناطق المحررة أزمات متصاعدة في الكهرباء والرواتب والخدمات الأساسية، ما عزز الانطباع بوجود حالة من الجمود السياسي والإداري.
وترى العين الثالثة أن هذا التراجع في وتيرة الحضور السياسي يثير تساؤلات حول قدرة المجلس على مواكبة المرحلة الحالية، التي تتطلب حضورًا مباشرًا وقرارات أكثر فاعلية.
تشابه مع تجربة هادي
المشهد الحالي يعيد إلى الأذهان تجربة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، الذي انتهى به الأمر إلى إدارة السلطة من الرياض بعد سنوات من الحرب والتوترات داخل معسكر الشرعية.
فهادي، الذي دخل الحرب مدعومًا بإجماع سياسي وإقليمي، واجه مع مرور الوقت تحديات متزايدة داخل بنية السلطة، أبرزها الخلافات بين المكونات السياسية والعسكرية، ما أدى إلى تآكل نفوذه تدريجيًا، قبل أن يتم نقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي في عام 2022.
التباينات داخل المجلس الرئاسي
وفق مراقبين، فإن أحد أبرز التحديات التي تواجه العليمي يتمثل في إدارة التباينات داخل مجلس القيادة، الذي يضم أطرافًا متعددة تمتلك رؤى ومصالح مختلفة.
وتشير العين الثالثة إلى أن هذه التباينات لم تعد مجرد خلافات سياسية صامتة، بل بدأت تنعكس على أداء المجلس، سواء من خلال تراجع الاجتماعات، أو تصاعد الانتقادات المتبادلة، أو غياب التوافق حول عدد من الملفات.
الخدمات.. الاختبار الأصعب
في المقابل، تزداد الضغوط الشعبية مع استمرار تدهور الأوضاع المعيشية، حيث تتفاقم أزمات الكهرباء والرواتب والسيولة، دون أن يلمس المواطن تحسنًا فعليًا على الأرض.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الوضع يضع المجلس الرئاسي أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في إدارة الخلافات الداخلية، بل أيضًا في إثبات قدرته على التعامل مع معاناة المواطنين، واستعادة الثقة المتآكلة.
بين الغياب والحضور الرمزي
يذهب بعض المتابعين إلى أن استمرار إدارة الدولة من الخارج قد يضعف من صورة السلطة، خصوصًا في ظل حاجة الشارع إلى حضور فعلي يشعره بوجود قيادة قادرة على التفاعل مع الأزمات ميدانيًا، لا من خلال اجتماعات أو بيانات بعيدة عن الواقع اليومي.
هل يتكرر السيناريو؟
في المحصلة، يطرح المشهد الراهن سؤالًا جوهريًا: هل يسير العليمي بالفعل في المسار ذاته الذي انتهى إليه هادي، كرئيس يدير الدولة من الخارج وسط تآكل التوافقات الداخلية؟
وستظل مرتبطة بقدرة مجلس القيادة على إعادة ترتيب صفوفه، واستعادة حضوره السياسي والإداري داخل البلاد، قبل أن يتحول الغياب الطويل إلى واقع دائم يعمّق أزمة الثقة ويعيد إنتاج تجارب سابقة بكل تعقيداتها.