آخر تحديث :الأربعاء - 07 أكتوبر 2026 - 04:57 م

هموم بحجم أسطوانة غاز، وحلم ينتظر الإنصاف

السبت - 09 مايو 2026 - الساعة 01:05 م

علي محمد سيقلي
الكاتب: علي محمد سيقلي - ارشيف الكاتب



في هذه البلاد، لم يعد الناس يتشابهون في شيء… إلا في الانتظار.
أنا — مثلًا — أحمل همًّا وطنيًا كبيرًا بحجم أسطوانة غاز منزلي فارغة، أتأملها كل صباح كما يتأمل القائد العسكري خريطة المعركة، وأتعامل معها باعتبارها “ملفًا سياديًا” يحتاج إلى مفاوضات، ووساطات، وربما قرارًا أمميًا تحت الفصل السابع.
بينما صديقي "العمري" يعيش مأساة من نوع آخر, الرجل لا يريد وزارة، ولا منصبًا، ولا مكرمة مالية من أحد، كل ما يريده أن يجد حلًا لوصول كتابه الموسوم بـ “عدن تحت الحكم البريطاني”.
تخيلوا المفارقة…
أنا أبحث عن غاز أطبخ به البيض، وهو يبحث عن طريقة لإدخال كتاب يتحدث عن تاريخ مدينة كانت الكهرباء فيها تعمل أكثر من ساعات الانطفاء الحالية.
أنا أحاول إقناع عامل المحطة أن لدي أطفالًا يريدون شرب الشاي، بينما صاحبي، يحاول إقناع هذا العالم أن الكتاب ليس قنبلة موقوتة، بل مجرد أوراق تتحدث عن عدن حين كانت المدينة تُدار بالقانون والعدالة الإنسانية لا بالمزاج.
هكذا صرنا نعيش…
كل واحد يحمل همه الشخصي كأنه آخر الناجين من سفينة تغرق ببطء.
الناس هنا لم تعد تناقش مشاريع التنمية، ولا مستقبل الاقتصاد، ولا حتى شكل الدولة القادمة… الناس صارت تتبادل خبرات البقاء فقط.
واحد يسأل: “وين لقيت الديزل؟”
والثاني يرد: “بكم صرفوا لك الرواتب؟”
والثالث يهمس: “هل صحيح أن الغاز وصل الشيخ عثمان؟”
أما المثقف المسكين، فقد صار يهرب بكتابه كما كان الثوار قديمًا يهربون المنشورات السرية.
يا للمهازل…
بلد كامل يعيش بعقلية الطوارئ، بينما المسؤولون يعيشون بعقلية “لا تستعجلوا الأمور”.
كل شيء مؤجل هنا: الكهرباء مؤجلة، الرواتب مؤجلة، الخدمات مؤجلة، الحلول مؤجلة، حتى كرامة الناس أصبحت مشروعًا مؤجل التنفيذ.
والمضحك المبكي، أن الذين يطالبونك بالصبر، لا يصبرون دقيقة واحدة إذا تعطلت مكيفات مكاتبهم.
أما نحن، فقد أصبحنا محترفين في التكيّف مع العبث.
نتعايش مع انقطاع الكهرباء كما يتعايش البحّارة مع الموج، ونتعامل مع أزمة الغاز باعتبارها موسمًا سنويًا، ونقرأ بيانات التطمين الحكومية كما تُقرأ النكات في المجالس.
أحيانًا أشعر أن المواطن في هذه البلاد لم يعد مواطنًا… بل مشروع احتمال.
احتمال أن يحصل على راتب. احتمال أن يجد دواء. احتمال أن تنجح واسطته. احتمال أن يصل كتابه. واحتمال — وهذا أعظم الإنجازات — أن يعبئ أسطوانة الغاز دون إذلال.
أما صديقي العمري، فأراه كل يوم أكثر إصرارًا على إنقاذ كتابه من الضياع، وكأن الرجل يحاول تهريب ذاكرة مدينة كاملة من بين أيدي النسيان.
وأنا بدوري، لا أملك إلا أن أرفع أسطوانتي الفارغة كمن يرفع راية استسلام، وأسأل نفسي:
كيف استطاعت هذه البلاد أن تجعل الإنسان يقاتل يوميًا من أجل أبسط حقوقه، ثم تطلب منه بعد ذلك أن يكون ممتنًا؟
في بلاد أخرى، الناس تنشغل بتطوير الذكاء الاصطناعي، أما صديقي محمد محسن، فما زال ومنذ أشهر مضت، يعيش في مرحلة البحث عن “واسطة” لتنفيذ شروط العقد بينه وبين الشاحن الوسيط.
وفي الوقت الذي يناقش فيه العالم مستقبل المدن الذكية، ما زلنا نحن نناقش: “هل وصل وايت الغاز أم لا؟”
ومع ذلك، نبتسم للحياة.
ليس لأن الأمور بخير، بل لأن البكاء وحده صار يحتاج إلى ميزانية تشغيل.




شاهد أيضًا

عاجل | وزارة النقل تكشف تفاصيل استهداف مطار عدن.. صاروخ قرب ...

الأربعاء/07/أكتوبر/2026 - 04:49 ص

أعلنت وزارة النقل اليمنية، في بيان صادر عنها اليوم الأربعاء، أن مطار عدن الدولي تعرض فجر اليوم لاستهداف بصاروخين باليستيين وعدد من الطائرات المسيّرة ا


عاجل | أمن عدن: مطار عدن الدولي تعرض لاستهداف بصاروخين ...

الأربعاء/07/أكتوبر/2026 - 03:23 ص

كشفت إدارة أمن العاصمة عدن، في توضيح رسمي، أن مطار عدن الدولي تعرض فجر اليوم الأربعاء لاستهداف بصاروخين، قالت إنهما أُطلقا من قبل جماعة الحوثيين، في ح


عاجل | مصدر خاص: إقلاع طائرة مدنية من مطار عدن ...

الأربعاء/07/أكتوبر/2026 - 03:06 ص

أفاد مصدر خاص بإقلاع طائرة مدنية من مطار عدن الدولي، عقب الضربة التي استهدفت المطار قبل قليل. ولا تزال تفاصيل الحادث وملابساته غير واضحة، فيما تواصل ا


عاجل | اشتباكات عنيفة في محيط مطار عدن الدولي ...

الأربعاء/07/أكتوبر/2026 - 02:25 ص

تشهد الجهة المحيطة لمطار عدن الدولي اشتباكات عنيفة، وفق معلومات ميدانية أولية، عقب الانفجار الذي سُمع دويه في المنطقة. ولا تزال ملابسات الحادث وطبيعة