آخر تحديث :الثلاثاء - 07 يوليو 2026 - 04:50 م

الدولة الجنوبية بعين ابن خلدون

الإثنين - 21 أبريل 2025 - الساعة 08:19 ص

جسار مكاوي
الكاتب: جسار مكاوي - ارشيف الكاتب



في كتابه الشهير المقدمة، رسم ابن خلدون دورة حياة الدول: من النشأة القوية، إلى النمو والاستقرار، ثم التحضّر والترف، فالضعف والانهيار.

ولو كان ابن خلدون حيًّا بيننا، يراقب المشهد الجنوبي من قلب عدن، لأعاد تذكيرنا بأن بناء الدول لا يتم على الأماني، بل على قواعد الاجتماع والعمران والسياسة الرشيدة.
الهوية أولًا: العصبية الجامعة
يرى ابن خلدون أن نشوء الدول يبدأ بـ"العصبية" التي توحّد الناس حول فكرة أو انتماء مشترك، وفي حالتنا، تمثّل الهوية الجنوبية هذه العصبية الجامعة التي تقف في وجه التمزقات المناطقية والانقسامات السياسية، غير أن هذه الهوية، رغم رسوخها في الوعي الجمعي، تواجه تحديات خطيرة بفعل محاولات التوظيف الضيق لها، ما يستدعي مشروعًا وطنيًا جامعًا يصونها ويوجّهها نحو الدولة.
من الثورة إلى الدولة
الدولة لا تُبنى على الحنين للماضي، ولا على صرخات الغضب، بل على المؤسسات والقانون. يدعونا ابن خلدون إلى الخروج من منطق "الثأر والانتقام" إلى منطق "العدل والنظام". وهذا يتطلب الانتقال من مرحلة النضال السياسي إلى بناء دولة مدنية تحكمها مؤسسات فعالة وإدارة كفؤة، لا الولاءات الضيقة.
عدن والعمران: الاقتصاد بوابة البناء
في فكر ابن خلدون، لا عمران بلا اقتصاد، ولا اقتصاد بلا أمن واستقرار. وعدن، بما لها من موقع استراتيجي وميناء عريق، ينبغي أن تعود مركزًا للحركة التجارية والإنتاج. التنمية ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية، والدولة الجنوبية المنشودة لا بد أن تضع خطة اقتصادية تنهض بالناس وتعيد الثقة بمستقبلهم.
العدل أساس الملك
ما من دولة تقوم على الظلم إلا وتهتز من جذورها. يصرّ ابن خلدون على أن العدالة شرط لبقاء الدول. وهذا يتطلب نظامًا قضائيًا مستقلًا، وعدالة انتقالية تُنصف المظلومين، وتؤسس لمصالحة حقيقية بعيدًا عن ثقافة الإقصاء والتصفية.
الدين والدولة: توازن لا صراع
يضع ابن خلدون الدين في موضعه الطبيعي: ركيزة أخلاقية تحفظ المجتمع، دون أن يُستخدم أداة للهيمنة أو التوظيف السياسي. وهو ما تحتاجه الدولة الجنوبية المقبلة، التي ينبغي أن تحمي الدين وتحترم التنوّع، دون أن تسمح بعودة التطرّف أو فرض الوصاية الدينية.
النخبة الحاكمة: بين الزهد والمسؤولية
يحذّر ابن خلدون من فساد الدولة حين تنشغل النخبة بالترف والامتيازات. المطلوب اليوم في الجنوب نُخبة تحمل همّ البناء، وتعيش بين الناس، وتقدّم القدوة قبل الخطاب. الدولة تُبنى على كتف من يملك الضمير لا الطموح الفردي.

في الأخير ، لو نظر ابن خلدون إلى واقعنا، لقال: أنتم على عتبة دولة، لكن لا تبنوها على العاطفة، بل على الوعي؛ لا على الأسماء، بل على المؤسسات؛ لا على الغضب، بل على العقل والعمران. الدولة الجنوبية ليست حلمًا بعيدًا، بل مشروعًا يحتاج إلى فكر وجهد ونزاهة. فهل نكون أهلًا له؟




شاهد أيضًا

من الكفاءة إلى الشهرة.. هل تتحول مؤسسات حضرموت إلى "مهرجان ت ...

السبت/04/يوليو/2026 - 06:40 م

أثار الجدل الدائر حول آلية اختيار بعض المشاركين في الفعاليات واللجان العامة بمحافظة حضرموت موجة من الانتقادات، بعد اتهامات بتغليب الحضور على منصات الت


القرارات الجمهورية المفقودة.. لماذا تُخفى بعض قرارات الرئاسة ...

الجمعة/03/يوليو/2026 - 11:20 م

أثارت تساؤلات متداولة بشأن تسلسل القرارات الجمهورية الصادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي موجة من النقاش حول مستوى الشفافية في عمل مؤسسة ا


من استهداف الصورة إلى اقتلاع المنصة... ماذا يخيفهم في ساحة ا ...

الثلاثاء/23/يونيو/2026 - 04:00 م

في الوقت الذي تغرق فيه العاصمة عدن تحت وطأة الانهيار الخدمي والاقتصادي، وتتصاعد معاناة المواطنين مع انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وتأخر الرواتب، اتج


سقوط نحو ثمانية أطفال بين شهيد وجريح إثر انفجار مقدوف من مخل ...

الإثنين/22/يونيو/2026 - 05:29 م

سقط نحو ثمانية أطفال بين شهيد وجريح، مساء اليوم، إثر انفجار جسم متفجر من مخلفات مليشيا الحوثي الإرهابية، في قرية الريبي شمال منطقة حجر بمحافظة الضالع.