تتجه الأنظار الدولية بصورة متزايدة نحو مضيق باب المندب، مع استمرار تقدم جماعة الحوثي على الساحل الغربي لليمن، وسط مخاوف من أن يؤدي اقترابها من إحكام السيطرة على الممر الاستراتيجي إلى تغيير معادلات الملاحة والطاقة والأمن في المنطقة والعالم.
وبحسب تقرير لوكالة �رويترز�، يسعى الحوثيون، المتحالفون مع إيران، إلى توسيع نفوذهم على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، وهو ما قد يمنحهم قدرة أكبر على التأثير في حركة السفن العابرة لأحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وتزداد المخاوف في ظل إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية، أكبر مصدري النفط عالميًا، إذ إن أي قدرة فعلية على تعطيل باب المندب يمكن أن تفرض ضغوطًا مباشرة على طرق تصدير الطاقة الخليجية وتدفع السفن إلى مسارات أطول وأكثر كلفة.
بوابة ضيقة للعالم
يقع باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر بين اليمن من جهة وجيبوتي وإريتريا من الجهة المقابلة، ولا يتجاوز عرضه عند أضيق نقطة نحو 29 كيلومترًا.
ويقسم الممر وجود جزيرة ميون اليمنية إلى قناتين ملاحيتين، فيما تقع إلى الشمال جزر حنيش، التي تمنح موقعًا استراتيجيًا لمراقبة حركة السفن القادمة والمغادرة عبر البحر الأحمر.
وتأتي أهمية المضيق من كونه البوابة الجنوبية لقناة السويس، ما يجعله جزءًا أساسيًا من الطريق البحري الذي يربط آسيا بأوروبا.
المخا تغيّر الحسابات
وبعد سيطرة الحوثيين على مدينة المخا، اكتسبت التطورات الميدانية بعدًا يتجاوز حدود الصراع اليمني، نظرًا لموقع المدينة على الساحل الغربي وقربها من باب المندب.
وتقع جنوب المخا منطقة ذوباب، المطلة مباشرة على المضيق، بينما تمثل جزيرة ميون نقطة محورية في التحكم بحركة الملاحة داخل الممر.
وبحسب �رويترز�، فإن السيطرة على هذه المواقع من شأنها أن تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على مراقبة واحد من أهم شرايين التجارة الدولية.
ماذا يمر من باب المندب؟
يمثل المضيق أحد أهم طرق نقل البضائع والطاقة عالميًا، خصوصًا الشحنات المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
كما تمر عبره شحنات نفط ومنتجات بترولية قادمة من المنطقة ومتجهة إلى الأسواق الدولية.
وأظهرت بيانات �كبلر�، وفق التقرير، أن المنتجات النفطية التي عبرت باب المندب في يونيو شكلت ما يقارب سبعة بالمئة من إنتاج النفط العالمي.
وأي تعطيل للممر يجبر السفن على الدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهو ما يعني إضافة آلاف الكيلومترات إلى الرحلات البحرية، وارتفاع تكاليف الوقود والتأمين والشحن، وتأخر وصول البضائع إلى الأسواق.
العالم جرّب الخطر بالفعل
ولم تعد هذه المخاوف مجرد سيناريو نظري، فمنذ أواخر عام 2023، دفعت الهجمات الحوثية في البحر الأحمر عددًا من كبرى شركات الشحن والطاقة العالمية إلى تحويل مسارات سفنها بعيدًا عن قناة السويس وباب المندب.
وشملت تلك الشركات �ميرسك� و�إم.إس.سي� و�هاباج لويد�، إلى جانب شركات طاقة ونقل نفطي، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن وإطالة زمن الرحلات التجارية.
لكن السيطرة الميدانية على مواقع استراتيجية مطلة مباشرة على المضيق قد تنقل مستوى التهديد من تنفيذ هجمات متفرقة ضد السفن إلى قدرة أكبر على التأثير المستمر في الممر نفسه.
ورقة استراتيجية تتجاوز اليمن
ولا تقتصر تداعيات أي سيطرة حوثية واسعة على باب المندب على الداخل اليمني.
فالتحول قد يمنح إيران، الحليف الرئيسي للحوثيين، ورقة ضغط استراتيجية إضافية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصًا إذا تزامن الضغط على باب المندب مع اضطرابات أو قيود على الملاحة في مضيق هرمز.
وفي مثل هذا السيناريو، يصبح اثنان من أهم ممرات الطاقة في المنطقة عرضة للتوتر في وقت واحد، ما قد ينعكس بصورة مباشرة على أسعار النفط والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
ولهذا لم يعد السؤال المطروح دوليًا متعلقًا فقط بمَن يسيطر على مدينة أو جزيرة في الساحل اليمني، بل بما إذا كانت التطورات الجارية ستضع بوابة البحر الأحمر نفسها أمام معادلة جيوسياسية جديدة قد يدفع العالم ثمنها.