تواصل تهمة "الخيانة العظمى" إثارة جدل واسع في الأوساط السياسية، بعد أن تحولت من توصيف قانوني شديد الخطورة إلى جزء من معركة الخطابات المتبادلة بين الخصوم، الأمر الذي يثير تساؤلات حول تداعيات توظيف مثل هذه الاتهامات خارج الأطر القضائية، وما إذا كانت قد ترتد مستقبلاً على الأطراف التي بادرت باستخدامها.
تحذير من سلاح قد ينقلب على الجميع
وفي هذا السياق، تناولت الكاتبة السياسية الدكتورة هدى العطاس، في تدوينة لها، خطورة استخدام تهمة "الخيانة العظمى" كأداة للصراع السياسي، معتبرة أن فتح هذا الباب قد يقود إلى نتائج معاكسة، خصوصاً في حال شهد اليمن تسوية سياسية شاملة تعيد تشكيل موازين القوة والسلطة.
وبحسب ما تابعته العين الثالثة، ترى العطاس أن الأطراف التي تستخدم هذه التهمة ضد خصومها اليوم قد تجد نفسها مستقبلاً أمام الاتهامات ذاتها، في ظل تعقيدات المرحلة التي مرت بها البلاد خلال سنوات الحرب، وما رافقها من تدخلات خارجية وترتيبات سياسية ودستورية استثنائية.
تغيّر موازين القوى يغيّر طبيعة الاتهامات
ويشير مراقبون إلى أن التجارب السياسية في العديد من الدول أظهرت أن الاتهامات ذات الطابع السيادي غالباً ما تتغير بتغير موازين القوى، وأن ما يُعتبر اليوم ورقة ضغط ضد طرف معين، قد يتحول غداً إلى أداة تستخدمها سلطة جديدة ضد خصومها السابقين.
وترى العين الثالثة أن هذا الواقع يجعل من توظيف التهم الكبرى في المعارك السياسية مساراً محفوفاً بالمخاطر، خاصة في بيئات الصراع التي تتسم بتبدل التحالفات وتغير مراكز النفوذ.
سنوات الحرب وملفات معقدة
وبحسب رؤية العطاس، فإن أي سلطة جديدة قد تلجأ مستقبلاً إلى فتح ملفات مرتبطة بإدارة الدولة خلال سنوات الحرب، بما في ذلك الاستعانة بقوات خارجية، وإدارة مؤسسات الدولة من الخارج، والترتيبات التي رافقت إنشاء المؤسسات السياسية والعسكرية في المرحلة الماضية.
وفي هذا السياق، قد تجد شخصيات بارزة في مجلس القيادة الرئاسي والحكومات المتعاقبة والقيادات العسكرية والأمنية نفسها أمام قراءات قانونية وسياسية مختلفة لتلك المرحلة، بحسب طبيعة السلطة الجديدة التي قد تفرزها أي تسوية قادمة.
القضاء أم الصراع السياسي؟
ويجمع قانونيون على أن تهمة بحجم "الخيانة العظمى" لا يمكن أن تتحول إلى أداة إعلامية أو سياسية، بل تظل قضية جنائية وسيادية تخضع لمعايير صارمة، تبدأ بالتحقيق وتنتهي بأحكام تصدر عن جهات قضائية مختصة، مع ضمان حقوق الدفاع والإجراءات القانونية السليمة.
وتؤكد العين الثالثة أن إخراج هذه التهمة من إطارها القضائي وتحويلها إلى وسيلة لتصفية الخصومات السياسية قد يؤدي إلى إغراق المشهد بمزيد من الاستقطاب، وفتح الباب أمام معارك قانونية وسياسية لا نهاية لها.
ملفات الماضي ومخاطر توسيع دائرة الاتهامات
كما أشارت العطاس إلى أن الجنوب يمتلك، وفق رؤيتها، ملفات وقضايا مرتبطة بما تعرض له منذ حرب صيف 1994، وهو ما يجعل توسيع دائرة الاتهامات السياسية أمراً قد يدفع جميع الأطراف نحو دوامة من الصراعات المتبادلة، بدلاً من التوجه نحو معالجات تضمن الاستقرار وتؤسس لتسوية عادلة.
بين العدالة والثأر السياسي
ويرى متابعون أن أي عملية سياسية ناجحة تحتاج إلى الفصل بين مفهوم العدالة ومفهوم الانتقام السياسي، بحيث يتم التعامل مع الانتهاكات والجرائم – إن وجدت – عبر المؤسسات القضائية، لا من خلال حملات التخوين والإقصاء.
وفي المحصلة، تشير العين الثالثة إلى أن خطورة استخدام الاتهامات الكبرى تكمن في أنها لا تتوقف عند حدود الخصوم الحاليين، بل قد تمتد إلى الجميع مع تغير الظروف وموازين القوى، ما يجعل الاحتكام إلى القانون والقضاء الضمانة الوحيدة لمنع تحول السياسة إلى ساحة مفتوحة للاتهامات المتبادلة.
ففي الدول التي تبحث عن الاستقرار، لا تُدار الخلافات عبر لغة التخوين، بل عبر العدالة، ولا تُحسم الخصومات بالأحكام المسبقة، بل بالقانون ومؤسساته المختصة.