آخر تحديث :الإثنين - 13 أبريل 2026 - 03:21 م

بين فتوى “وحدة الأديان” وخطاب “وحدة الأوطان”

الإثنين - 13 أبريل 2026 - الساعة 01:24 م

علي محمد سيقلي
الكاتب: علي محمد سيقلي - ارشيف الكاتب



في زمنٍ صار فيه النص الديني أشبه بـ“أداة متعددة الاستخدام”، يمكن أن يُستدعى لتكفير فكرة هنا، وتبرير مشروع هناك، لم يعد التناقض مفاجئًا، بل صار هو القاعدة، وما عداه استثناء يحتاج إلى فتوى تشرح لماذا لا يتناقض مع نفسه.
مؤخرًا، أعادت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية تأكيد موقفها الصارم من فكرة “وحدة الأديان”، ووصفتها بأنها دعوة باطلة، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك حين اعتبرت الدعوة إليها ردة صريحة عن الإسلام. خطاب حاد، واضح، لا يقبل التأويل، قائم على أصول عقدية تقليدية ترى في الإسلام خاتمًا ناسخًا، وفي ما عداه من الأديان ماضٍ منسوخ أو محرّف.
حتى هنا، لا مشكلة.
المشكلة تبدأ حين ننتقل من “وحدة الأديان” إلى “وحدة الأوطان”، وتحديدًا حين يُستدعى نفس النص الديني — أو أجزاء منه — ليُلبس لباسًا سياسيًا، ويُستخدم كحجة شرعية لإلزام الناس بمشاريع وحدوية، أو لتجريم أي رأي مخالف لها.
هنا تحديدًا، تدخل الآية:
"واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا"
إلى ساحةٍ لم تُنزل لها، وتُحمّل ما لا تحتمل، وتتحول من دعوة إيمانية للوحدة العقدية بين المؤمنين، إلى أداة ضغط سياسي، تُشهر في وجه من يختلف مع شكل الدولة أو حدودها أو طبيعة نظامها.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كانت “وحدة الأديان” تُعد كفرًا لأنها تخلط بين عقائد متباينة، فكيف تصبح “وحدة الشعوب” — رغم اختلافاتها السياسية والتاريخية والثقافية — واجبًا شرعيًا يُستدل له بالنص ذاته؟
أليس في ذلك خلطٌ آخر، لكن هذه المرة بغطاء سياسي؟
أما عن رأي الشيخ محمد بن ناصر الحزمي، "شيخ القاصرات" الذي يُستدعى اسمه كثيرًا في مثل هذه القضايا الحساسة، فهو في جوهر طرحه ينتمي إلى مدرسة أكثر تشددًا في باب العقيدة، تقوم على تقرير مسائل “التكفير” بضوابط صارمة لكنها واسعة في التطبيق. ومن هذا المنطلق، فإن موقفه من “وحدة الأديان” لن يخرج كثيرًا عن إطار الرفض، بل قد يكون أكثر حدة في بعض تفاصيله.
لكن الإشكالية ليست هنا أيضًا.
الإشكالية أن هذا النوع من الطرح، سواء عند "الحزمي" أو غيره، يتعامل مع النصوص بوصفها “أحكامًا نهائية” في سياقات عقدية، لكنه لا يمدّ نفس الصرامة إلى الاستخدام السياسي للنص، حيث يُترك الباب مفتوحًا لتأويلات انتقائية، تُفصّل على مقاس اللحظة، وتُسند بآيات تُقتطع من سياقها.
بمعنى آخر: حين يتعلق الأمر بالعقيدة… النص قطعي.
وحين يتعلق الأمر بالسياسة… النص مطاطي "استرتش".
المفارقة الساخرة، والتي لا تخفى على القارئ، أن من يرفض “دمج الأديان” بحجة الحفاظ على نقاء العقيدة، لا يجد حرجًا في “دمج الشعوب” قسرًا، حتى لو أدى ذلك إلى صراعات، وانقسامات، وحروب لم تُبقِ ولم تذر.
وكأن المشكلة ليست في “الوحدة” نفسها، بل في نوع الوحدة، ومن يملك حق تعريفها.
إن الخلط بين الديني والسياسي، ليس جديدًا، لكنه في حالتنا اليمنية بلغ درجة من العبث تجعل من النصوص المقدسة مادةً للاستخدام اليومي، تُستدعى عند الحاجة، وتُغيب عند الضرورة، وتُفسر وفقًا لمزاج اللحظة لا لثوابت الفهم.
فالآية التي تُستخدم اليوم لتبرير وحدة جغرافية، قد تُهمل غدًا حين تتعارض مع مصلحة سياسية. والفتوى التي تُشدد على نقاء العقيدة، قد تُتجاهل حين يتعلق الأمر بتحالفات تتجاوز كل تلك الخطوط.
الخلاصة التي لا تحتاج إلى فتوى:
أن النص الديني حين يُفقد سياقه، يتحول من هادٍ إلى أداة.
وأن التناقض لا يكمن في النصوص، بل فيمن يستخدمها.
وأن “حبل الله” الذي أُمرنا بالاعتصام به، ليس حبل سياسة، ولا مشروع دولة، بل منظومة قيم، إن تمسكنا بها صدقًا لما احتجنا إلى كل هذا الجدل.
أما أن نُكفّر فكرة باسم الدين، ثم نُقدّس فكرة أخرى بالنص ذاته، فذلك ليس فقهًا، بل “إدارة انتقائية للمقدس”.
وفي زمن كهذا، لا عجب أن تضيع البوصلة، ويصبح السؤال الأهم:
هل نحن نبحث عن الحقيقة، أم عن نصٍ يبرر ما نريد؟




شاهد أيضًا

بين “فضيحة التصدير” وإغلاق الورش: أزمة الغاز في عدن تفجّر غض ...

الأحد/12/أبريل/2026 - 09:50 ص

تتصاعد أزمة الغاز في المحافظات المحررة مع تزايد الاتهامات بوجود اختلالات في إدارة هذا الملف الحيوي، بالتزامن مع قرارات رسمية لتقييد استخدامه، ما أثار


الجنوب بين ضغط الشارع وتحديات الإدارة.. احتجاجات متصاعدة وأس ...

الأحد/12/أبريل/2026 - 01:10 ص

في ظل تصاعد موجة الغضب الشعبي، يشهد الجنوب حالة من التوتر المتنامي، خصوصًا في حضرموت والمهرة، حيث تتقاطع الأزمات الخدمية مع مطالب سياسية واجتماعية، لت


“جيش الدجاج” يكشف المستور.. هل تحولت الإمدادات إلى ورقة نفوذ ...

الأحد/12/أبريل/2026 - 12:40 ص

سلّط الكاتب الصحفي صالح حقروص الضوء على الجدل المتصاعد حول ملف إمدادات الوقود والغاز في المحافظات المحررة، معتبرًا أن الحملة التي استهدفت الصحفي فتحي


الزوكا: “لا استقرار دون الجنوب”.. تصعيد في الخطاب وتحذيرات م ...

الأحد/12/أبريل/2026 - 12:30 ص

أكد الكاتب الصحفي جمال الزوكا أن أي مسار سياسي يتجاهل قضية الجنوب محكوم عليه بالفشل، مشددًا على أن تحقيق الاستقرار في المنطقة يرتبط بشكل مباشر بالاعتر