آخر تحديث :الجمعة - 24 أبريل 2026 - 04:00 م

من كان منكم بلا خريطة فليرسمها بقلم

الإثنين - 02 مارس 2026 - الساعة 04:03 ص

علي محمد سيقلي
الكاتب: علي محمد سيقلي - ارشيف الكاتب



في زمن التيه السياسي، لا تُقاس القضايا بعدالة شعاراتها، بل بوضوح خرائطها. فالخريطة ليست ورقة تُعلّق على الجدار، بل رؤية تُمسك بالاتجاه، ومسار يعرف أين يبدأ وأين يجب أن ينتهي.
وحين تُصادر الخريطة، يتحول الفعل السياسي إلى مشيٍ في العتمة، وتغدو التضحيات مجرد أرقام بلا عائد.
أُخرجنا من كل مساحة من أرضنا، لا قبل استعادتها، بل بعد أن دُفع ثمن كل شبرٍ منها، بذريعة تسليمها إلى حوارٍ جنوبي/جنوبي. حوار قيل إنه المخرج، فيما لم تُعرف له مداميك، ولا أسس تفاهم واضحة، ولا ضمانات تُطمئن أن نتائجه ستكون بقدر حجم التضحيات. وبالمعنى الصريح، قيل لنا:
سنُعيد إليكم الجنوب، لكن بحُلّة جديدة، وبصيغة مُعاد تشكيلها، مع وعدٍ مُغلّف بأن الوطن سيُسلَّم… لا كحق، بل كقنبلةٍ موقوتة.
في هذا السياق، تتبدّى الأزمة الحقيقية: ليست أزمة أدوات، بل أزمة اتجاه. فالخطاب يسبق الفعل، وردود الأفعال تطغى على التخطيط، وتُدار اللحظة بمعزل عن الهدف. وحين تغيب الخريطة، يصبح الإنجاز موسميًا، والتراجع قاعدة، وتُستنزف القضية باسم إدارتها.
الخريطة المطلوبة ليست حكرًا على أحد، لكنها مسؤولية تتقدمها القيادة السياسية، وتشارك في صياغتها كل القوى الحيّة. خريطة تبدأ بتحديد الهدف دون مواربة، ثم تُترجم إلى مراحل عملية قابلة للتنفيذ والمراجعة. من دون ذلك، سيظل الحديث عن الشراكة والتوافق مجرد عناوين فضفاضة، لا تُمسك بالأرض ولا تحمي المكتسبات.
وفي قلب هذه الإشكالية، يبرز دور الخطاب الإعلامي. فالإعلام، حين يتحول إلى أداة استقطاب وتصفية حسابات، لا يخدم القضية، بل يضيف طبقة جديدة من الضباب.
المطلوب خطاب رشيد، يُعيد الاعتبار للعقل الجمعي، ويُخفف من حدة الانقسام، ويضع الأولويات حيث يجب أن تكون.
أما في إدارة العلاقات مع الخارج، فلا مجال للارتهان ولا للمكابرة.
السياسة فن الممكن، لكن الممكن لا يُدار من الخارج وبلا بوصلة، ولا يُحمى بلا وضوح في المصالح وحدودها. الشراكات تُبنى على الندية، لا على الوصاية، وعلى الاحترام المتبادل، لا على فرض المسارات.
ويبقى الاختبار الأصدق لأي مشروع سياسي هو الداخل: الخدمات، الاقتصاد، الأمن.
فالمواطن لا ينتظر بيانًا جديدًا، بل كهرباء لا تنقطع، وراتبًا لا يتآكل، وأمنًا يصون كرامته. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل جوهر شرعية الدولة الحقيقية ومعيار الثقة.
هم من رسموا خارطة الطريق، وهم من يحتفظ بحق تحديد مسارها ونقطة نهايتها، لا باعتبارهم شركاء مرحلة، بل أوصياء عليها.
وهم أنفسهم من قرروا شكل الجنوب القادم، ومن سيتولى إخراجه سياسيًا، فيما يُراد لأهله أن يقفوا في مقاعد الانتظار، لا صُنّاع قرار، ولا أصحاب حق أصيل في رسم مستقبلهم.
وهنا تتجلى المعضلة كاملة: جنوب يُستعاد جغرافيًا، ويُسلب سياسيًا، وتُرسم ملامحه خارج إرادته، باسم التوافق، وبأدوات لا تشبهه ولا تعبّر عنه.
لهذا، ومن دون مواربة، من كان بلا خريطة فليُمسك القلم الآن، لا غدًا. ليرسم رؤيته بوضوح، ويحدد مساره بإرادته، قبل أن يُفرض عليه طريق لم يختره، ونهاية لم يكتبها. فالتاريخ لا يرحم من سار بلا بوصلة، ولا يُكافئ من ترك قضيته تُدار بأقلام الآخرين.




شاهد أيضًا

عقد من الحسم: كيف أعاد تحرير ساحل حضرموت رسم خريطة الأمن وأن ...

الجمعة/24/أبريل/2026 - 03:13 م

في مثل هذا اليوم، تحل علينا الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من تنظيم القاعدة، والتي تمثل واحدة من أبرز المحطات المفصلية في تاريخ محافظة حضرموت الحدي


الجعدي يحذّر من خطاب المناطقية: حملات “تمزيقية” تستهدف الجبه ...

الإثنين/20/أبريل/2026 - 04:26 م

حذّر الأستاذ فضل الجعدي من تصاعد ما وصفه بحملات التحريض المناطقية، مؤكدًا أنها تُستخدم كأداة لضرب الجبهة الداخلية وتمزيق النسيج الاجتماعي في الجنوب. و


عدن تحت ضغط الغلاء.. أسعار ملتهبة وغضب شعبي يتصاعد ...

الإثنين/20/أبريل/2026 - 11:00 ص

تعيش العاصمة عدن على وقع موجة غلاء غير مسبوقة، انعكست بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، وأعادت ملف المعيشة إلى صدارة المشهد، وسط حالة من


“اقتصاد الظل النفطي” في اليمن.. شبكات موازية تُغذي الصراع وت ...

الإثنين/20/أبريل/2026 - 10:01 ص

كشف المحامي والناشط الحقوقي أكرم الشاطري عن ما وصفه بـ“اقتصاد الظل النفطي” في اليمن، مشيرًا إلى وجود شبكة مصالح معقدة تُدار خارج مؤسسات الدولة، وتُسهم