آخر تحديث :الأحد - 04 أكتوبر 2026 - 10:49 ص

حين تسقط المدن خلف الحدود.. من يدفع ثمن الطريق إلى عدن؟

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - الساعة 10:33 ص

حسين القملي
الكاتب: حسين القملي - ارشيف الكاتب


في الحروب تبدو الحدود واضحة على الخرائط، لكن الأمن لا يعترف دائمًا بالخطوط المرسومة عليها، ومن السهل القول إن الجنوب معني بأرضه، وإن تحرير المناطق الشمالية مسؤولية أهلها، غير أن انهيار المناطق المحاذية لا يبقى شأنًا بعيدًا، فارتداداته الأمنية والإنسانية والاقتصادية تنتقل سريعًا، وغالبًا ما تكون عدن أول من يتحمل الكلفة.

الأرقام المتداولة عن النزوح الأخير إلى العاصمة عدن تضع هذه المسألة أمام اختبار حقيقي، فبحسب التحديث المنسوب إلى إدارة إحصاءات النازحين في الجهاز المركزي للإحصاء، وصل خلال فترة قصيرة نحو 3,677 أسرة، بإجمالي 23,332 شخصًا، وإذا صحت هذه الأرقام، فنحن لا نتحدث عن حركة سكانية عابرة، بل عن ضغط إضافي على مدينة تعاني أصلًا من أزمات الخدمات والسكن والكهرباء والمياه وفرص العمل.

وهنا يجب الفصل بين الواجب الإنساني والمسؤولية السياسية، النازح الهارب من الحرب لا يتحمل مسؤولية الصراع، وحماية المدنيين واجب إنساني، لكن لا يمكن في المقابل أن تتحول عدن إلى الوجهة الدائمة لكل موجة نزوح، بينما تفقد المناطق التي يأتي منها الناس قدرتها على الصمود، الأصل أن يعيش الناس بأمان في مدنهم، وأن تتحمل القوى القادرة في تلك المناطق مسؤولية الدفاع عنها واستعادة ما سقط منها، لا أن يصبح النزوح حلًا دائمًا للحرب.

تعز تحديدًا ليست تفصيلًا يستطيع الجنوب تجاهله، ليس لأن القوات الجنوبية مطالبة بخوض حرب مفتوحة لتحرير الشمال، بل لأن أي توسع حوثي في محافظة بهذا الثقل السكاني والجغرافي والاقتصادي يمكن أن يغيّر البيئة الأمنية المحيطة بالجنوب، ويوفر للجماعة مساحة وموارد وقدرة إضافية على التجنيد والتحرك والضغط على جبهات أخرى.

من هنا يحتاج مفهوم "الدفاع عن حدود الجنوب" إلى قراءة استراتيجية أوسع، فحماية الحدود لا تعني بالضرورة عبورها عسكريًا، وإنما منع تشكل تهديد كبير خلفها، وهذا يعني دعم قدرة أبناء المناطق المهددة على الدفاع عن أرضهم، بحيث يتحمل كل مجتمع مسؤوليته الأساسية، من دون إعادة الجنوب إلى حروب استنزاف مفتوحة لا يعرف أين تنتهي.

المعادلة ليست بين خيارين متطرفين، أن يذهب الجنوب لتحرير الشمال، أو أن ينتظر الخطر حتى يصل إلى حدوده، بينهما مساحة واسعة اسمها السياسة والأمن الوقائي، مساندة من يقاتل الحوثيين على أرضه، وتعزيز صمود المجتمعات المحلية، وحماية الجنوب في الوقت نفسه من التورط في حرب بلا سقف سياسي.

هنا تتضح العلاقة بين النزوح والأمن، كل مدينة تنهار لا تفقد أرضًا فقط، إنها تدفع بجزء من أزمتها إلى المناطق الأكثر استقرارًا، ومع تكرار ذلك، تتحمل عدن أعباءً سكانية وخدماتية واقتصادية متزايدة، بينما تتسع المساحات الواقعة تحت سلطة الطرف الذي تسبب تقدمه في موجات النزوح أصلًا، ولذلك فإن معالجة النزوح عند نقطة الوصول وحدها تعالج النتيجة وتترك السبب قائمًا.

الجنوب يحتاج اليوم إلى استراتيجية تعرف بدقة أين تنتهي مسؤوليته العسكرية وأين تبدأ مصلحته الأمنية، ليس كل ما يقع خارج حدوده حربه، لكنه ليس بالضرورة خارج حساباته أيضًا، وهذه هي المسافة التي تفصل بين التورط في حروب الآخرين وبين تجاهل خطر قد يصبح غدًا حربك أنت.

الحدود لا تُحمى فقط عندما يصل إليها الخصم؛ أحيانًا تبدأ حمايتها بمنع سقوط ما وراءها، وعدن لا يمكن أن تبقى الملجأ الأخير لكل أزمة، فيما تُترك المدن التي ينزح منها أهلها بلا قدرة حقيقية على الصمود والدفاع عن نفسها.

هنا تكمن المعادلة الأصعب والأكثر عقلانية، أن يحمي الجنوب أرضه دون أن يحمل حرب الآخرين، وأن يساندهم في حماية أرضهم دون أن يقاتل بدلًا عنهم، لأن الدولة التي تفكر استراتيجيًا لا تنتظر الخطر عند حدودها، ولا تذهب أيضًا إلى ما وراء الحدود بلا هدف ولا نهاية.




شاهد أيضًا

بعد الهجوم على محيط معسكر التحالف بعدن.. مصدر عسكري: لا ضحاي ...

الجمعة/02/أكتوبر/2026 - 03:36 ص

طمأن مصدر عسكري سكان العاصمة عدن، مؤكداً أن المعلومات الأولية المتوفرة حتى الآن تشير إلى عدم سقوط ضحايا أو تسجيل خسائر في الأسلحة والمعدات العسكرية. و


عاجل | السعودية تعلن اعتراض صاروخ باليستي أُطلق باتجاه خميس ...

الجمعة/02/أكتوبر/2026 - 03:30 ص

أعلنت السلطات السعودية اعتراض وتدمير صاروخ باليستي، قالت إنه أُطلق من مناطق خاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين باتجاه مدينة خميس مشيط. ولم ترد، حتى لحظة إعدا


قصف صاروخي ومسيّر يهز البريقة في عدن.. أنباء عن استهداف مواق ...

الجمعة/02/أكتوبر/2026 - 02:51 ص

هزّت انفجارات عنيفة مديرية البريقة في العاصمة عدن، فجر الجمعة، وسط أنباء عن هجوم صاروخي وبطائرات مسيّرة نُسب إلى مليشيا الحوثي واستهدف مواقع في المنطق


المعلا تدشّن تدريبًا نسائيًا على استخدام الذكاء الاصطناعي في ...

الإثنين/28/سبتمبر/2026 - 12:53 م

انطلقت اليوم الاثنين في مديرية المعلا بالعاصمة عدن، ورشة تدريبية تهدف إلى تمكين الكوادر النسائية من توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين العمل الإدا