آخر تحديث :الجمعة - 02 أكتوبر 2026 - 10:36 م

من الرياض إلى عدن.. العودة التي يجب ألا تعيدنا إلى الوراء!

الجمعة - 02 أكتوبر 2026 - الساعة 10:36 م

حسين القملي
الكاتب: حسين القملي - ارشيف الكاتب


في السياسة، لا تكفي عودة القيادات للقول إن الأزمة انتهت، ولا يعني فتح بعض الأبواب أن الطريق أصبح واضحًا. فالمشهد الجنوبي اليوم أكبر من أسماء المغادرين والعائدين، وأعمق من سؤال من سمح لمن بالعودة؟ ما يجري يضع الجنوب أمام امتحان داخلي ربما يكون أصعب من خلافاته مع الخارج، هل تعلّمنا من الأزمة، أم أننا نستعد للعودة إلى الأخطاء نفسها بوجوهها القديمة؟

زيارة الشيخ منصور بن زايد إلى الرياض، ثم عودة أبو زرعة المحرمي إلى عدن، والحديث عن عودة قيادات جنوبية أخرى تدريجيًا، كلها مؤشرات توحي بأن حالة الجمود بدأت تتحرك، ولا توجد حتى الآن معطيات معلنة تكفي للجزم بأن هذه الخطوات جزء من تفاهم سعودي–إماراتي شامل، لكن تتابعها في توقيت متقارب يجعل فرضية وجود مسار لخفض التوتر وإعادة ترتيب بعض الملفات جديرة بالقراءة، وفي المقابل، يبقى المجلس الانتقالي حاضرًا في المعادلة، بينما تظل عودة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي الجزء الأكثر حساسية وغموضًا في الصورة حتى الآن.

اختزال الأزمة في الرياض وأبوظبي سيكون هروبًا من نصف الحقيقة، فجزء مهم من المشكلة موجود في الداخل الجنوبي نفسه، حيث كشفت المرحلة الماضية هشاشة مؤلمة في البيت الداخلي، خلاف سياسي يمكن أن يتحول سريعًا إلى خصومة مناطقية، ومقطع يسيء إلى يافع أو الضالع أو أبين أو شبوة أو لحج أو الصبيحة يجد طريقه إلى التداول أسرع من خطاب يدعو إلى جمع الناس، وكأننا، في لحظات الغضب، أكثر استعدادًا لتوسيع أسباب الانقسام من استعدادنا لحماية أسباب الاجتماع.

هذه ليست مشكلة اجتماعية عابرة، بل ثغرة سياسية في قلب مشروع الدولة، فلا معنى للمطالبة بقرار جنوبي مستقل إذا كانت العصبيات الصغيرة قادرة على اختطاف القرار الكبير، ولا يمكن بناء دولة بينما يصبح كل اختلاف سياسي قابلًا للتحول إلى مواجهة بين مناطقها، فالمشروع الذي لا يستطيع إدارة تنوع بيته الداخلي سيجد صعوبة أكبر في إدارة صراعه ومصالحه مع الخارج.

كما كشفت الأزمة حقيقة أخرى، بأن المناصب لا تصنع بالضرورة أصحاب مشروع، والاصطفاف في زمن القوة لا يكشف دائمًا صلابة المواقف، فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما ترتفع كلفة الثبات وتتغير موازين المصالح، وليس المطلوب فتح أبواب التخوين أو محاكم التفتيش في النوايا، بل مراجعة أكثر شجاعة، هل بنينا مؤسسات تحمل القضية في الأزمات، أم أن جزءًا من تماسكنا كان مرتبطًا بالأشخاص والظروف والمصالح؟

من هنا، لا ينبغي أن تعني عودة القيادات إلى عدن إعادة المشهد إلى ما كان عليه وكأن شيئًا لم يحدث، ما انكشف يجب أن يُقرأ، وما أخفقت فيه التجربة يجب أن يُصحح، وما ثبتت هشاشته يجب أن يعاد بناؤه، فالعودة السياسية الحقيقية ليست عودة الأشخاص إلى مواقعهم، بل عودة المشروع أكثر تماسكًا ونضجًا مما كان قبل الأزمة.

في هذا السياق، فإن عودة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، متى حدثت، لن تكون أهميتها في مشهد الاستقبال وحده، بل فيما سيأتي بعدها، ترتيب البيت الجنوبي، توسيع الشراكة، تقوية المؤسسات، تخفيف الاحتقان المناطقي، وربط القوة العسكرية برؤية سياسية واضحة، فالقائد لا يحتاج فقط إلى جماهير تلتف حوله في لحظة الحماس، بل إلى منظومة سياسية متماسكة تستطيع حمل المشروع معه عندما تصبح كلفة الموقف مرتفعة.

في الوقت نفسه، يجب التعامل مع الرياض وأبوظبي بعقل السياسة لا بعاطفة الخصومة أو التحالف، بحيث لكل دولة مصالحها وحساباتها، وقد تتفقان اليوم وتختلفان غدًا، أما الجنوب، فإذا تبدل اتجاهه كلما تغيرت العلاقة بين حلفائه، فسيظل مشروعه معرضًا لأن يصبح ورقة في معادلات الآخرين، فالاستقلال في القرار يبدأ قبل إعلان الدولة، ويبدأ عندما تعرف ماذا تريد حتى عندما تتغير مواقف من حولك.

لذلك فإن السؤال بعد عودة أبو زرعة، واحتمال عودة بقية القيادات، ليس من انتصر في جولة الخلاف، ولا من خسرها، ويبقى السؤال، ماذا تغير فينا نحن؟ فإذا عادت الوجوه وعادت معها المناطقية والصراعات الشخصية وحروب المنصات والمصالح الصغيرة، فلن نكون قد تجاوزنا الأزمة، بل أجلنا موعد الأزمة التالية، أما إذا خرج الجنوب من هذه التجربة بصف أوسع، ومؤسسات أقوى، وقرار أقل ارتباطًا بالأفراد والخارج، فقد تتحول الأزمة من لحظة انكسار إلى لحظة مراجعة وبناء.

الجنوب لا تنقصه التضحيات، ولا الرجال، ولا وضوح القضية، ما يحتاجه هو أن يرتفع مستوى مشروعه السياسي إلى مستوى الأثمان التي دُفعت من أجله، عندها فقط يصبح لعودة القيادات معنى يتجاوز المطار والصور والاستقبال، وأن يعود الجنوب إلى نفسه قبل أن يعود الآخرون إليه، فالوطن الذي لا يعالج خلافاته في الداخل، سيظل الخارج قادرًا على الدخول من شقوقها وإدارة توازناته من خلالها.




شاهد أيضًا

بعد الهجوم على محيط معسكر التحالف بعدن.. مصدر عسكري: لا ضحاي ...

الجمعة/02/أكتوبر/2026 - 03:36 ص

طمأن مصدر عسكري سكان العاصمة عدن، مؤكداً أن المعلومات الأولية المتوفرة حتى الآن تشير إلى عدم سقوط ضحايا أو تسجيل خسائر في الأسلحة والمعدات العسكرية. و


عاجل | السعودية تعلن اعتراض صاروخ باليستي أُطلق باتجاه خميس ...

الجمعة/02/أكتوبر/2026 - 03:30 ص

أعلنت السلطات السعودية اعتراض وتدمير صاروخ باليستي، قالت إنه أُطلق من مناطق خاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين باتجاه مدينة خميس مشيط. ولم ترد، حتى لحظة إعدا


قصف صاروخي ومسيّر يهز البريقة في عدن.. أنباء عن استهداف مواق ...

الجمعة/02/أكتوبر/2026 - 02:51 ص

هزّت انفجارات عنيفة مديرية البريقة في العاصمة عدن، فجر الجمعة، وسط أنباء عن هجوم صاروخي وبطائرات مسيّرة نُسب إلى مليشيا الحوثي واستهدف مواقع في المنطق


المعلا تدشّن تدريبًا نسائيًا على استخدام الذكاء الاصطناعي في ...

الإثنين/28/سبتمبر/2026 - 12:53 م

انطلقت اليوم الاثنين في مديرية المعلا بالعاصمة عدن، ورشة تدريبية تهدف إلى تمكين الكوادر النسائية من توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين العمل الإدا